الإطار النظري والقضايا الفكرية في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

تعد موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للمفكر عبد الوهاب المسيري  أكثر من عملٍ علمي فهي خريطة فكرية تُرشد القارئ إلى جذور أزمات العالم الحديث، لم تكن مجرّد مشروع أكاديمي ضخم، بل كانت سيرته الفكرية الكبرى؛ خلاصة ما فهمه عن الإنسان والحضارة والمعنى فيها جمع بين التحليل الدقيق والتأمل العميق، بين التاريخ والفلسفة، بين الواقع والرمز.Theoretical Framework and Intellectual Issues، وذلك عن طريق صياغة مجموعة من الاطر النظرية والقضايا الفكرية في الموسوعة.

الإطار النظري والقضايا الفكرية في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

ومن خلال هذه الموسوعة، نسج المسيري إطارًا نظريًا فريدًا يصوغ به رؤيته للعالم:

إطارٌ لا يفصل بين الفكرة والإنسان، ولا بين الظاهرة والمغزى، بل يرى أن كل ما يحدث في التاريخ هو انعكاسٌ لأزمةٍ أعمق في روح الإنسان الحديث.وفي المقابل، لم يكتفِ بالنظرية، بل نزَل بها إلى أرض الواقع، فقرأ من خلالها الظاهرة اليهودية، وفكّك بنية الصهيونية، وفسّر كيف تحوّلت إسرائيل إلى رمزٍ مادي لعصرٍ فقد روحه.

المفاهيم المركزية والقضايا التطبيقية في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

في كل جيل، يظهر مفكر لا يكتفي بأن يصف العالم، بل يحاول أن يفهمه من جديد. مفكر لا يكتب ليضيف معلومة، بل ليهزّ قناعتك، ويجعلك ترى الأشياء بعينٍ مختلفة، ومن بين هؤلاء يقف عبد الوهاب المسيري شامخًا بهدوء رجلٌ أمضى عمره في مطاردة الفكرة حتى تصبح رؤية، وفي تحويل المعرفة إلى رحلة في الوعي الإنساني.
قضى عبد الوهاب المسيري قرابة الثلاثين عاما وهو ينسج خيوط هذه الموسوعة حتى خرجت لنا كأعظم عمل فكري في العصر الحدث يعتمد عليه الكثير من الباحثين ف مختلف انحاء العام ، ووضع المسيري لتلك الموسوعة اطارا نظريا كمنهج لفهمها كما وضع لتلك الأطر النظرية مجموعة من القضايا الفكرية او التطبيقات التي تشرح تلك الأطروالتي نتناولها كما يلي:

الاطار النظري لموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

وضع المسري مجموعة من المفاهيم المركزية لهذا لعمل الموسوعي الضخم والتي نطلق عليها لاطر النظرية والتي تحدد معالم هذا المشروع الفكري والتي لا يستطيع القاريء فهم الموسوعة بدون الإطلاع عليها، ونوضحها كما يلي:

النموذج التفسيري المركّب

حين نتأمل فكر عبد الوهاب المسيري، نكتشف أنه لم يكن يسعى فقط إلى "تفسير" الظواهر، بل إلى فهمها في عمقها الإنساني والحضاري.ومن هنا جاء مفهومه البالغ الأهمية الذي أسّس عليه موسوعته الضخمة: «النموذج التفسيري المركّب».

المسيري رأى أن العالم لا يمكن فهمه عبر نموذجٍ واحدٍ بسيط، فالحياة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في عاملٍ اقتصادي، أو ديني، أو نفسي.
في نظره، الظواهر الإنسانية تشبه الكائن الحيّ: لا يمكن فهمه إذا فصلنا أعضاءه عن بعضها البعض.
ولهذا رفض ما يسميه بـ"النماذج الاختزالية" التي تفسر كل شيء بلغةٍ واحدة، كأن نقول إن الإنسان مجرد "مصلحة"، أو إن التاريخ مجرد "صراع طبقي"، أو إن الدين مجرد "أداة للسلطة".

بدلًا من ذلك، طرح المسيري مفهوم "النموذج المركّب"، وهو طريقة تفكير تجمع بين المادة والمعنى، بين الفرد والمجتمع، بين التاريخ والرمز.إنه لا يلغي الجانب المادي، لكنه يضعه في مكانه الطبيعي داخل الصورة الأوسع التي تتضمن الأخلاق والوجدان والقيم والروح.

يقول المسيري في أكثر من موضع إن الإنسان ليس آلة ميكانيكية، بل كائنٌ يبحث عن المعنى حتى في تفاصيل حياته الصغيرة.
وهنا بالضبط تكمن قوة النموذج المركّب: أنه يعيد للإنسان مركزه بعد أن نزعه الفكر المادي الحديث.

بهذا النموذج، أعاد المسيري قراءة الظاهرة الصهيونية لا باعتبارها مجرد مشروع سياسي أو استعمار استيطاني فحسب، بل كـ تعبير عن رؤية حضارية غربية مادية فقدت توازنها بين الإنسان والعالم.
فالصهيونية في رأيه ليست "خروجًا" عن الغرب، بل هي مرآته في أكثر أشكاله تطرفًا، وبهذا المعنى، فإن النموذج التفسيري المركّب ليس مجرد أداة لفهم الصهيونية، بل منهج لرؤية العالم بعيون الإنسان لا بعيون الآلة.
إنه دعوة إلى التفكير المتعدد الطبقات، حيث لا يُختزل الواقع في بعدٍ واحد، بل يُفهم في نسيجه الكامل الذي يجمع بين الروح والتاريخ والمجتمع والرمز.

العلمانية الشاملة والحلولية

في الوقت الذي كان عبد الوهاب المسيري يراقب التحولات الكبرى في الفكر الغربي، لم يكن يسأل فقط عن نتائجها، بل عن المنظور الذي يحركها من الداخل. فهو رأى أن الغرب لم يكتفِ بتغيير أنظمته السياسية أو الاقتصادية، بل غيّر رؤيته للإنسان والعالم من كائنٍ روحيٍّ يبحث عن المعنى، إلى كيانٍ ماديٍّ يُقاس بالأرقام والاستهلاك والإنتاج.
ومن هنا ولد عنده مفهوم العلمانية الشاملة، بوصفها الحالة التي يفقد فيها الوجود البشري اتصاله بالقداسة، فيصبح الكون كله “بلا معنى” إلا ما تصنعه يد الإنسان المادية.

من العلمانية الجزئية إلى الشاملة:
المسيري ميّز بذكاء بين نوعين من العلمانية: العلمانية الجزئية: وهي التي تفصل الدين عن الدولة فقط، دون أن تنكر القيم الأخلاقية أو الإيمان.العلمانية الشاملة: وهي التي تمتد لتفصل كل ما هو مقدس عن الحياة، فتحوّل الإنسان إلى أداة في آلة ضخمة لا روح لها.

في النموذج الغربي الحديث، لم يعد الإنسان محور الوجود، بل المادة هي المركز الطبيعة، السوق، التقنية، القوة. وكل شيء آخر يُقاس بقدرته على الإنتاج أو المنفعة. هنا يرى المسيري أن الغرب لم يفقد الله فقط، بل فقد الإنسان أيضًا.

الحلولية: 
يرتبط مفهوم الحلولية عند المسيري ارتباطًا وثيقًا بالعلمانية الشاملة.
فهو يستخدم الكلمة بمعناها الفلسفي العميق: حين “يحلّ” الإله في العالم، فلا يعود هناك فرق بين الخالق والمخلوق، ولا بين المقدس والدنيوي. في ظاهر الأمر يبدو هذا تصورًا روحانيًا، لكنه في العمق ينزع عن الإله قدسيته، ويجعل الإنسان أو الطبيعة بديلًا عنه.

من هنا تنشأ المفارقة:حين يختفي الله كقيمة مطلقة فوق العالم، تتألَّه المادة ذاتها. فتتحول الرأسمالية إلى دينٍ جديد، والعلم إلى عقيدة، والتقنية إلى معبودٍ صامت.وهذا ما يسميه المسيري الوثنية الحديثة وثنية بلا أصنامٍ حجرية، بل أصنامٍ فكرية واقتصادية.

انعكاسها في الفكر الصهيوني:
هذه الرؤية العلمانية الشاملة، في نظر المسيري، هي التربة التي نبتت فيها الصهيونية. فالصهيونية ليست عودةً دينية إلى “أرض الميعاد”، بل حركة دنيوية مادية تحاول تأسيس جنةٍ أرضية بلا إله. إنها التعبير السياسي عن الحلولية الحديثة:
حيث تحل “الأمة” أو “الدولة” محل الإله، وحيث يصبح “الوعد الإلهي” مشروعًا استعماريًا يُدار بالمال والقوة والسلاح.

الإنسان في مواجهة العدم:
يرى المسيري أن العلمانية الشاملة والحلولية ليستا مجرد نظريات، بل أزمة إنسانية كبرى. فحين يُقصى المعنى من الوجود، يعيش الإنسان في فراغٍ وجودي عميق، ويبحث عن بدائل في المال، في اللذة، في الاستهلاك، في الأيديولوجيات. لكن كل ذلك لا يمنحه السلام، لأن المعنى لا يُصنع من الخارج، بل يُولد من الداخل.

العلمانية الشاملة عند المسيري ليست فقط فصل الدين عن الحياة، بل فصل الإنسان عن روحه. وهي الوجه الآخر للحلولية التي تُذيب الإله في العالم حتى يفقد الإنسان مرجعيته الأخلاقية. وبينما تبدو الحضارة الغربية في أوج قوتها، يرى المسيري أنها تعيش أزمة معنى هي أخطر ما يهددها.

الجماعات الوظيفية

حين ننظر إلى التاريخ بعين عبد الوهاب المسيري، لا نراه مجرد تواريخ وسنوات، بل سيرورة إنسانية مليئة بالتحولات والصراعات والأدوار. ومن خلال هذه النظرة العميقة، صاغ المسيري أحد أكثر مفاهيمه دقة وجرأة: "الجماعة الوظيفية" تلك العدسة التي يرى بها علاقة الأقليات والجماعات ببُنى السلطة والاقتصاد في المجتمعات المختلفة.

ما هي الجماعة الوظيفية؟
يشرح المسيري الفكرة ببساطة عميقة:
الجماعة الوظيفية هي جماعة بشرية تُستقدم أو تُشكَّل داخل مجتمع ما لتؤدي وظيفة محددة تخدم مصالح القوى المسيطرة فيه.
قد تكون هذه الوظيفة اقتصادية، أو عسكرية، أو إدارية، أو حتى ثقافية، لكنها في النهاية تُحَدِّد هوية الجماعة وموقعها في المجتمع.

فهي ليست جماعة «منتمية» بالكامل، ولا «غريبة» تمامًا، بل تقع في منطقةٍ رمادية بين الداخل والخارج. تُستخدم وتُستغَلّ، وتُكافأ حين تُطيع، وتُنبذ حين تُطالب بالانتماء الكامل.

من التاريخ إلى الفكرة:
تاريخيًا، استُخدمت بعض الجماعات لأداء أدوارٍ محددة في المجتمعات: مثل اليهود في أوروبا العصور الوسطى، الذين لعبوا أدوارًا مالية وإدارية داخل النظام الإقطاعي، أو حتى بعض الأقليات الحديثة التي تؤدي دور الوسيط بين السلطة والشعب.

لكن عبقرية المسيري تكمن في أنه حوّل هذه الملاحظة التاريخية إلى نظريةٍ حضارية، يمكن تطبيقها على أنماط متعددة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية، لا على اليهود وحدهم.

الجماعة الوظيفية في المشروع الصهيوني:
يرى المسيري أن اليهود في الغرب الحديث تحولوا من جماعة دينية إلى جماعة وظيفية، ثم تحوّلت الصهيونية نفسها إلى "جماعة وظيفية كبرى" تخدم مصالح الغرب في الشرق الأوسط.
فإسرائيل في هذا المنظور ليست مجرد دولة قومية لليهود، بل قاعدة متقدمة للغرب الاستعماري تؤدي دورًا محددًا: حفظ المصالح، وضمان التفوق العسكري، وإعادة تشكيل المنطقة وفق النموذج الغربي. إنها ليست "دولة طبيعية"، بل كيان وظيفي استيطاني، وُجد ليؤدي مهمة لا تتعلق فقط باليهود، بل بمشروعٍ أوسع هو المشروع الغربي الحديث.

الإنسان بين الانتماء والدور:
في جوهر هذا المفهوم، هناك سؤال إنساني عميق: متى يفقد الإنسان ذاته ويصبح "وظيفة"؟
حين يُختزل دوره في ما يؤديه، لا في ما يؤمن به، حين يُطلب منه أن يكون وسيلة لا غاية. فالمسيري لا يتحدث هنا عن اليهود وحدهم، بل عن خطر التشييء الذي يهدد كل إنسانٍ في عالمٍ تحكمه الآلة والسوق والمصلحة.

الجماعة الوظيفية، في النهاية، ليست ظاهرة عرقية أو دينية، بل رمزٌ لحالة إنسانية حين يُستبدل الانتماء بالمنفعة، والهوية بالمهمة، والإنسان بالدور.
«الجماعات الوظيفية» ليست مجرد فئة من الناس، بل تحذير من مصيرٍ يمكن أن يصيب أي مجتمعٍ يفقد توازنه بين القيم والمصالح. فحين يتحول الإنسان إلى أداة في يد القوى الكبرى، مهما كان اسمه أو دينه، يكون قد فقد جوهره الإنساني.

العقد الصامت بين الغرب والصهيونية

حين تحدث عبد الوهاب المسيري عن “العقد الصامت بين الغرب والصهيونية”، لم يكن يطلق تعبيرًا بلاغيًا أو توصيفًا سياسيًا عابرًا، بل كان يكشف عن بنية عميقة في الحضارة الغربية الحديثة. فهو يرى أن العلاقة بين الغرب والصهيونية لم تكن علاقة مصالح عابرة أو تحالفات مؤقتة، بل تفاهم حضاري ضمني اتفاق غير مكتوب، لكنه حاضر في الوعي والممارسة والسياسة.

جذور هذا العقد:
يرى المسيري أن جذور هذا "العقد الصامت" تمتد إلى القرون الأولى للحداثة الأوروبية. حين بدأ الغرب يصوغ رؤيته الجديدة للعالم بعد عصر النهضة والإصلاح الديني، كان بحاجة إلى “آخر” يُسقِط عليه عقده النفسية وتوتراته الأخلاقية.
فوجد في اليهود كجماعة دينية غريبة ومختلفة مرآةً يرى فيها نفسه.

لكن حين تَحوّل الغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى قوة استعمارية علمانية تبحث عن السيطرة والتوسع، أعاد اكتشاف “اليهود” من جديد — لا كآخرٍ منبوذ، بل كـ شريكٍ وظيفي في مشروعه الإمبراطوري.
هنا بدأ “العقد الصامت”: الغرب يمنح اليهود دعمًا ماديًا وسياسيًا ليؤسسوا كيانًا في الشرق، مقابل أن تقوم الصهيونية بدورٍ استراتيجي يخدم مصالحه.

ما هو مضمون هذا العقد؟
المسيري لا يتحدث عن اتفاق رسمي أو وثيقة، بل عن منظومة فكرية وأخلاقية يتشاركها الطرفان: الغرب الحديث يرى في ذاته المركز المتفوق الذي يملك حق السيطرة. والصهيونية تُعيد إنتاج هذه الفكرة داخل اليهودية، فتعتبر نفسها شعب الله المختار الذي يحق له حكم الأرض باسم "الحق الإلهي" أو "الحضارة الحديثة".

بهذا الشكل، أصبحت الصهيونية ابنة شرعية للفكر الغربي المادي الاستعماري، لا جسمًا غريبًا عنه. فهي تمثل، بحسب تعبير المسيري، “النسخة المقطّرة من الروح الغربية”، التي جمعت بين العلمانية الشاملة والعنصرية المبررة باسم التقدم.

الغرب وإسرائيل:
منذ تأسيس دولة إسرائيل، ظل هذا العقد قائمًا وإن لم يُعلن. فالغرب خصوصًا أوروبا والولايات المتحدة يرى في إسرائيل تجسيدًا لرؤيته للحضارة: دولة متقدمة، علمانية، تكنولوجية، في وسطٍ شرقيٍّ يُنظر إليه على أنه متخلّف. وفي المقابل، تجد الصهيونية في الغرب مصدر الشرعية والدعم والهوية.

المسيري يصف هذه العلاقة بأنها “عقد صامت” لأن كليهما يحتاج الآخر ليكتمل: الغرب يحتاج إسرائيل لتذكيره بتفوقه الحضاري، وإسرائيل تحتاج الغرب لتبرير وجودها واستمرارها. إنها علاقة وظيفية متبادلة، لكنها كما يقول المسيري تقوم على أرضية أخلاقية واحدة: إقصاء الإنسان المختلف وتجريد العالم من المعنى.

انعكاسات العقد على الواقع:
بهذا الفهم، يمكننا أن نرى كيف أن الموقف الغربي من القضية الفلسطينية ليس مجرد تحيّز سياسي، بل امتدادٌ لهذا العقد الحضاري.
إنها علاقة أعمق من الدعم المالي أو العسكري، لأنها تقوم على رؤيةٍ للعالم تجعل “القوة” معيارًا للحق، و“الهيمنة” بديلاً عن العدالة.
العقد الصامت بين الغرب والصهيونية ليس اتفاقًا مكتوبًا، بل تواطؤ فكري وأخلاقي صنعته الحضارة الحديثة التي نزعت القداسة عن العالم، ورفعت القوة إلى مرتبة الإله.
وإدراك هذا العقد كما يرى المسيري هو الخطوة الأولى لفهم ليس فقط الصهيونية

الحداثة وثقافات الجماعات اليهودية

من يقرأ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية يكتشف أن عبد الوهاب المسيري لم يكن مشغولًا فقط بتاريخ اليهود أو أيديولوجيا الصهيونية، بل كان يسعى إلى فهم التحوّل الإنساني العميق الذي أصاب الجماعات اليهودية مع دخولها العصر الحديث. فما الذي فعله “التحديث” باليهود؟ وكيف غيّر بنية المجتمع والدين والثقافة؟

من الجيتو إلى المدينة الحديثة:
في العصور الوسطى، عاش اليهود في ما يُعرف بـ “الجيتو” أحياء مغلقة في أوروبا تفصلهم عن المجتمع العام. كان الجيتو مكانًا للعزلة، لكنه أيضًا حافظ على تماسك الهوية الدينية والروحية. كانت الحياة اليومية تدور حول التوراة والطقوس والتعليم الحاخامي، وكان الإيمان رغم القيود هو مركز الوجود.

لكن مع صعود الحداثة الأوروبية، وسقوط الحواجز بين الجماعات، بدأ اليهود يخرجون من الجيتو إلى العالم المفتوح. الحرية الجديدة منحتهم فرصًا اقتصادية وثقافية غير مسبوقة، لكنها في الوقت نفسه زعزعت الإطار الذي حفظ هويتهم لقرون.

التحديث بوصفه سيفًا ذا حدين:
يرى المسيري أن “التحديث” كان قوة مزدوجة التأثير على الجماعات اليهودية: فهو منحها انفتاحًا وحقوقًا مدنية، لكنه أيضًا أذابها تدريجيًا في المنظومة الغربية. بدأت الأجيال الجديدة تتبنى قيم التنوير والعقلانية، وظهر تيار اليهود “الإصلاحيين” الذين أرادوا إعادة تفسير التوراة بما يتوافق مع “العصر”.

هنا بدأ الدين يفقد مركزيته، وتحولت اليهودية من ديانة شاملة للحياة إلى هوية ثقافية أو اجتماعية أشبه بانتماء قومي أو تراثي. وبهذا، تغيّرت البنية الروحية للجماعات اليهودية، لتصبح أقرب إلى نموذج الإنسان الحديث المنفصل عن المقدّس.

من التنوير إلى الصهيونية:
يُظهر المسيري كيف أن الصهيونية كانت في جوهرها ثمرة من ثمار هذا التحديث. فهي لم تولد في المعابد أو مدارس التوراة، بل في صالونات أوروبا الليبرالية والعقلانية. إنها محاولة لتأسيس هوية يهودية جديدة بعد انهيار الهوية الدينية القديمة. فبدل “شعب الله المختار”، أصبح اليهود “شعب الأمة الحديثة” شعب يبحث عن أرضٍ وسيادةٍ ودولةٍ مثل باقي الشعوب.

وهكذا تحولت “أرض الميعاد” من رمزٍ ديني إلى مشروع سياسي دنيوي، وتحول “الوعد الإلهي” إلى “خطة استعمارية” تُنفّذ بالاستيطان والسلاح .لقد قامت الصهيونية، كما يوضح المسيري، بتحديث اليهودية حتى أفرغتها من محتواها الروحي، لتجعل منها إيديولوجيا قومية مادية.

الثقافة بين الذوبان والمقاومة:
لم تكن كل الجماعات اليهودية على موقفٍ واحد. فبعضها خاصة في الشرق والعالم الإسلامي حافظ على طابعه الديني التقليدي، بينما انخرطت جماعات أوروبا الغربية في عملية التحديث إلى حد الذوبان. هذا التباين أنتج فسيفساء معقدة من الثقافات اليهودية:
من الأرثوذكس المتشددين إلى العلمانيين، ومن الحريديم في القدس إلى المثقفين الليبراليين في باريس ونيويورك.

المسيري يرى في هذه التعددية دليلًا على فقدان المركز الروحي الواحد، إذ لم يعد هناك “يهودية” واحدة، بل “يهوديات” متعددة، تشترك فقط في التاريخ والذاكرة، لا في الإيمان والغاية.

التحديث كمرآة للأزمة الإنسانية:
في نهاية تحليله، يربط المسيري هذا التحوّل بظاهرة أوسع: أزمة الإنسان الحديث، فكما أذابت الحداثةُ اليهوديةَ في المنظومة المادية، أذابت أيضًا الإيمان الإنساني نفسه،لقد أصبح الدينفي كثير من المجتمعات شأنًا خاصًا بلا تأثير وأصبح الإنسان يعيش في عالمٍ بلا مركز، بلا يقين.

ولهذا فإن دراسة “تحديث اليهود” ليست مجرد تحليلٍ لتاريخ جماعة، بل نافذة على مأزق الحضارة الحديثة: كيف يمكن للإنسان أن يتقدم علميًا ويخسر في الوقت نفسه روحه؟، ان التحديث لم يكن خلاصًا لليهود، بل إعادة صياغة لهويتهم على مقاس العالم المادي ، وما الصهيونية إلا التجلي السياسي لهذا التحوّل: دين بلا روح، ووعدٌ بلا إله، وإنسانٌ بلا معنى.

الدولة الوظيفية والاستيطان الإحلالي

من يقرأ فكر عبد الوهاب المسيري يدرك أنه لم يكن ينظر إلى إسرائيل كـ “دولة قومية” طبيعية وُلدت من رحم التاريخ، بل كـ كيان استثنائي وظيفي صُمم ليؤدي مهمة محددة في سياقٍ أكبر مهمةٌ تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى عمق المشروع الغربي الحديث.

ما هي الدولة الوظيفية؟
يُعرّف المسيري الدولة الوظيفية بأنها دولة تُنشأ أو تُدعَم لتخدم مصالح قوةٍ كبرى خارجها ، فهي لا تُعبّر عن إرادةٍ شعبية حقيقية، بل عن إرادة من صمّمها ومَوّلها ورعاها. تبدو مستقلة في الظاهر، لكنها في الجوهر ترسٌ في آلةٍ أكبر أداة لتحقيق توازنات سياسية واقتصادية وعسكرية تخدم القوى العظمى.

وفي هذا السياق، يرى المسيري أن إسرائيل ليست دولة طبيعية مثل باقي الدول، بل نموذج كلاسيكي للدولة الوظيفية الحديثة،
فهي تؤدي وظيفة محددة منذ تأسيسها: أن تكون حارسًا للمصالح الغربية في الشرق الأوسط، وذراعًا عسكرية واستراتيجية للمشروع الإمبريالي الذي أعاد إنتاج نفسه بعد الحرب العالمية الثانية في شكلٍ جديد.

من الجماعة الوظيفية إلى الدولة الوظيفية:
في تحليله البديع، يربط المسيري بين مفهومه السابق “الجماعة الوظيفية” وهذا المفهوم الأوسع “الدولة الوظيفية”، فكما كانت الجماعات اليهودية في أوروبا تُستخدم لأداء وظائف مالية وإدارية تخدم الأنظمة، تحوّلت إسرائيل إلى جماعة وظيفية في شكل دولة، لكن الفارق أن الدولة تمتلك الآن أدوات السيادة والقوة، مما يجعل وظيفتها أكثر اتساعًا وخطورة.

الاستيطان الإحلالي:
يرتبط مفهوم “الدولة الوظيفية” بمفهوم آخر لا يقل أهمية: الاستيطان الإحلالي، فالاستيطان الإحلالي لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يعمل على محو الوجود الأصلي واستبداله بوجودٍ جديد، إنه لا يضمّ الشعوب بل يُقصيها ولا يتعايش مع السكان،بل يسعى إلى محوهم جسديًا ورمزيًا.

يرى المسيري أن إسرائيل تُجسّد هذا النموذج بوضوح: فهي ليست دولة استيطانية تقليدية فحسب، بل مشروع إحلالٍ كامل للذاكرة والتاريخ والهوية، من “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض” إلى “يهودية الدولة”، يتكرّس المنطق نفسه: محاولة إعادة كتابة الواقع بحيث يصبح الوجود الفلسطيني مجرد هامش على نصٍّ صهيوني مفروض بالقوة.

بين العسكرة والمعنى:
في الدولة الوظيفية، يتحوّل المجتمع كله إلى آلة، والإنسان إلى أداة وإسرائيل مثال صارخ على هذا النمط فهي دولة جيشٍ قبل أن تكون دولة مواطنين ودولة أمنٍ قبل أن تكون دولة ثقافة ودولة وظيفةٍ قبل أن تكون دولة وطن.

المسيري يرى أن هذا الشكل من الوجود هو نقيض للإنسانية ذاتها، لأنه يختزل الإنسان في دوره داخل المنظومة، إنها دولة لا تعرف التوازن، لأن وظيفتها لا تسمح لها بالتوقف عن القتال أو العداء فحين تنتهي وظيفتها تفقد مبرر وجودها.

الانعكاس الحضاري:
من خلال هذا التحليل، لم يكن المسيري يصف إسرائيل وحدها، بل يحذّر من مصيرٍ عالمي: حين تتحول الدول الحديثة إلى كياناتٍ وظيفية تحكمها الشركات والسلاح والأسواق، وتفقد شعوبها المعنى الأخلاقي للوجود بهذا المعنى تصبح إسرائيل رمزًا مكثّفًا للعصر الحديث نفسه:عصرٌ فقد مركزه الروحي فحوّل السياسة إلى آلة والإنسان إلى وظيفة والأرض إلى سلعة.

التطبيقات والقضايا الفكرية للمفاهيم المركزية في موسوعة المسيري

بعد أن نستوعب هذه المفاهيم النظرية التي تشكّل الإطار الكلي لفكر المسيري، يمكننا أن نرى كيف طبّقها في قراءته للواقع اليهودي والصهيوني، من خلال تحليل اليهودية كمنظومة دينية، والصهيونية كأيديولوجيا، وإسرائيل ككيان استيطاني، والأسطورة التوراتية كمصدر رمزي لتلك الرؤية.

اليهودية كمنظومة دينية وتاريخية

حين يقترب المسيري من دراسة اليهودية لا يتعامل معها كدينٍ سماويٍ مغلق بل كـ ظاهرة حضارية متحركة تنمو وتتبدل بتبدّل الزمان والمكان، فاليهودية في رأيه لم تكن في بدايتها منظومة عقائدية بالمعنى اللاهوتي، بل هوية قبلية اجتماعية تربط جماعة محددة بإلهها من خلال ميثاقٍ خاص، يجعلها ترى نفسها مختارة دون غيرها.

كانت هذه البذرة القبلية كما يصفها تحمل في داخلها وعدًا بالخلاص، لكنها في الوقت ذاته تزرع فكرة الانفصال عن العالم وتُغذي شعور التفوق الإثني، ومع الزمن، وبخاصة في فترات الشتات والتشتت أخذت اليهودية تتحوّل إلى فكرة دينية ذات بعدٍ روحيٍ أوسع، تجاوز القبيلة إلى العقيدة.
فمن “شعب الله المختار” إلى “أمة التوراة”، ومن عبادة الإله في المعبد إلى انتظار الخلاص الميتافيزيقي، أخذت الديانة اليهودية تكتسب طابعًا فكريًا وتجريديًا أكثر،غير أن هذا التطور لم يكن خطيًّا ولا مستقرًا ففي كل مرحلة من التاريخ اليهودي، كانت القداسة تنتقل من موقعٍ إلى آخر:من الإله إلى الشعب، ثم من الشعب إلى الأرض، ثم من الأرض إلى الدولة.

وهنا تكمن – في نظر المسيري – المأساة الحضارية الكبرى: حين يتحول الدين من علاقةٍ بين الإنسان وربه، إلى مشروعٍ دنيويٍّ للهيمنة والتفوق، في هذا التحليل العميق لا يقف المسيري عند حدود النقد الديني، بل يقرأ اليهودية بوصفها نموذجًا لفقدان المعنى في التاريخ الإنساني.
إنها قصة كيف يمكن للعقيدة حين تُختزل في المصالح،أن تفقد نورها الداخلي، وكيف يمكن للرمز الروحي أن يتحوّل إلى شعار سياسي وبهذا، تصبح دراسة اليهودية عند المسيري نافذة على أزمة الإنسان الحديث، الذي يسعى للتمايز والسيطرة باسم الله، بينما يبتعد عن الله ذاته.

الصهيونية كأيديولوجيا سياسية

حين يتناول عبد الوهاب المسيري الصهيونية لا يضعها في خانة “الديانات” أو “العقائد الروحية”، بل في سياقها الحقيقي: كأيديولوجيا سياسية ونتاج مباشر للحضارة الغربية الحديثة، فهو يرى أن الصهيونية لم تولد من رحم التوراة، بل من رحم الحداثة الأوروبية التي رفعت شعار التقدم والعقل والعلم، لكنها في العمق حملت بذور المادية والاستعلاء.

كانت أوروبا القرن التاسع عشر، كما يصفها المسيري، عالَمًا يبحث عن خلاصٍ أرضي بعد أن فقد إيمانه بالخلاص السماوي.
وفي هذا المناخ ظهرت القوميات، والمذاهب العقلانية، وحركات التوسع الاستعماري، وهناك في قلب هذا العالم المادي وُلدت الصهيونية بوصفها نسخة يهودية من المشروع القومي الأوروبي تسعى لتأسيس دولة قومية على أرضٍ محددة، وتُبرر ذلك بلغةٍ دينيةٍ رمزية.

لكن المسيري، في عمق تحليله، يرى أن الصهيونية استعارت الدين ولم تؤمن به فهي لم تعد تنتظر “مشيئة الله” لعودة الشعب إلى أرض الميعاد، بل قررت أن تنجز الوعد بنفسها، وهنا يكشف المسيري المفارقة الأخلاقية والفكرية: لقد تحوّل الإيمان بالوعد الإلهي إلى مشروع سياسي دنيوي، وتحوّل انتظار الخلاص إلى خطة استعمارية مكتوبة بالأرقام والسلاح.

يرى المسيري أن الصهيونية ليست انحرافًا عن اليهودية فحسب، بل نتاجٌ طبيعي لعقل الحداثة الغربي حين ينفصل عن القيم،إنها تمثّل الروح ذاتها التي صنعت الإمبراطوريات الأوروبية: الإنسان الذي يرى العالم مادةً للاستخدامو الأرض ملكًا لمن يستطيع أن يغزوها، والتاريخ ساحةً لتجريب القوة.

ومن هنا، فإن نقد المسيري للصهيونية ليس مجرد موقف سياسي أو قومي، بل هو نقدٌ حضاري شامل لروح العصر التي جعلت من “الوعد الإلهي” مشروعًا استعماريًا مبرمجًا، ومن الإنسان إلهًا صغيرًا يوزع البركة والعقاب وفق مصالحه.

بهذا المعنى، تحولت الصهيونية إلى رمز مكثّف للحضارة الغربية حين تفقد روحها ،حضارة تبني المصانع لكنها تهدم الإنسان،
تنتج المعرفة لكنها تقتل المعنى، تتحدث عن الحرية وهي تمارس الاحتلال.

ولذلك كان نقد المسيري للصهيونية في جوهره دعوة لاستعادة إنسانية الإنسان،لأن من يرفض اختزال اليهود في عِرقٍ مختار، هو نفسه من يرفض اختزال البشر في وظائف ومصالح، الصهيونية عند المسيري ليست “قضية الآخر”، بل مرآة نرى فيها نحن ملامح سقوطنا الأخلاقي حين نصبح مثلها: نعبد القوة وننسى المعنى.

إسرائيل ككيان استعماري استيطاني

حين يتحدث عبد الوهاب المسيري عن إسرائيل، لا يراها مجرد دولة في خريطة الشرق الأوسط، بل تجسيدًا حيًّا لعقلٍ حضاري فقد بوصلته الأخلاقية، فهو لا يختزلها في الصراع العربي–الإسرائيلي، ولا في الجغرافيا والسياسة، بل ينظر إليها كـ نموذج حضاري متكامل يعبّر عن مرحلةٍ من التاريخ الإنساني، حيث أصبح التوسع مبررًا باسم "التقدم"، والسيطرة سُميت "تحضّرًا"، والقوة غدت "حقًّا مشروعًا".

في نظر المسيري، إسرائيل ليست “دولة يهودية” بالمعنى الديني، بل دولة علمانية استيطانية تُعيد إنتاج النموذج الغربي الاستعماري القديم، إنها امتداد مباشر لتجربة الرجل الأبيض في استعمار الشعوب، تستخدم الخطاب الديني لتغليف مشروعٍ ماديٍّ يقوم على الإزاحة والإحلال:إحلال المستوطن مكان السكان الأصليين، ومحو الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني ليُعاد تشكيل المكان كما لو لم يكن أحد هنا من قبل.

وهكذا يرى المسيري أن إسرائيل ليست استثناءً، بل ذروة منطق الحضارة الغربية الحديثة، فما فعلته أوروبا في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فعلته إسرائيل في فلسطين ولكن تحت غطاء “الوعد المقدس”، إنها الحداثة حين ترتدي عباءة الدين لتُخفي سلاحها، وحين تُبرر الاحتلال باسم “الحق التاريخي” و“الخلاص الإلهي”.

وفي تحليله العميق، يصف المسيري إسرائيل بأنها دولة وظيفية، لا تقوم على مقومات المجتمع الطبيعي، بل على الوظيفة الأمنية والاستراتيجية، وهي في جوهرها ليست مشروعًا يهوديًا بقدر ما هي أداة غربية لإعادة إنتاج السيطرة في الشرق الأوسط، وجودها مرتبط باستمرار الصراع لأنها بُنيت على الخوف وتعيش على الصراع وتذوب إن عمّ السلام.

لكن ما يجعل رؤية المسيري فريدة، أنه لم يتوقف عند نقد الاحتلال بوصفه ظلمًا، بل قرأه كمأساة إنسانية كبرى: حين يفقد الإنسان ضميره، ويحوّل الآخر إلى “وظيفة”وحين يُعاد تعريف الخير بما يخدم القوة، لا بما يحفظ العدالة.

ومن هنا، يصبح نقد إسرائيل عند المسيري جزءًا من نقده للحداثة كلها فهي ليست كيانًا سياسيًا فحسب، بل رمزٌ مكثّف لحضارةٍ اختزلت الوجود في المادة وألغت الله من المعادلة فصارت تُعيد إنتاج الطغيان باسم التقدّم.

وفي ختام تحليله، لا يكتفي المسيري بإدانة الاحتلال، بل يدعونا إلى تأمل مصير الإنسان حين ينسى ذاته ويعبد ما يصنعه بيديه إسرائيل في هذا المعنى ليست “هناك”، بل “هنا” في داخلنا، كلما سمحنا للمصلحة أن تحكم على القيمة، وللقوة أن تكتب التاريخ

المسيري ونقد الأسطورة التوراتية

حين تناول عبد الوهاب المسيري الأسطورة التوراتية لم يتعامل معها على أنها حكاية دينية أو تراثٌ من النصوص القديمة، بل رأى فيها بنية رمزية شكّلت الوعي الغربي الحديث نفسه، فهو يعتبر أن التوراة ليست مجرد كتاب ديني لليهود بل نصٌّ تأسيسي لعقلٍ حضاريٍ بأكمله عقلٍ يرى في التاريخ ساحة صراع وفي “الشعب المختار” مركزًا للوجود وفي الأرض وعدًا يجب أن يتحقق بالقوة.

يبدأ المسيري تفكيكه من نقطة دقيقة: إن الأسطورة ليست كذبًا، لكنها لغة رمزية تعبّر عن رؤية الإنسان للعالم، لكن الخطر يبدأ حين تُفصل الرموز عن معناها الروحي، وتتحول من إشاراتٍ إلى المطلق إلى أدواتٍ للسيطرة في الأرض، فما كان في الأصل وعدًا بالخلاص، صار مشروعًا للغزووما كان إيمانًا بالاختيار الإلهي، تحوّل إلى فكرة تفوّق عرقي وسياسي.

يرى المسيري أن الرموز التوراتية مثل “شعب الله المختار” و“أرض الميعاد” و“الخلاص الموعود” لم تبقَ داخل الإطار الديني، بل خرجت إلى المجال السياسي لتُصبح وقودًا للأيديولوجيا الصهيونية، وهكذا تحوّل الرمز الروحي إلى سلاح ثقافي يُعيد تشكيل التاريخ والذاكرة.

لكن عبقرية المسيري أنه لم يقف عند حدود النقد الخارجي، بل قرأ هذه الأسطورة بوصفها مرآة لأزمة الإنسان الحديث نفسه، فالأسطورة في جوهرها محاولة الإنسان فهم مكانه في الكون، لكن حين يغيب الإيمان ويتضخم “الذات”، تتحول الأسطورة إلى تبريرٍ للهيمنة.

إن “شعب الله المختار”، في القراءة المسيرية، رمز للإنسان الغربي الحديث الذي يرى نفسه مركزًا للكون، و“أرض الميعاد” رمز لعالمٍ يريد الإنسان أن يمتلكه تمامًا،و“الخلاص” رمز للوهم الأبدي بالتقدم اللامحدود.

بهذا التحليل، لا يعود المسيري يكتب عن نصوص قديمة، بل عن حاضرنا نحن:عن إنسانٍ استبدل الله بالعقل، واستبدل الجنة بالمشروع، واستبدل الخلاص بالهيمنة، وفي هذا السياق تتحوّل دراسته للأسطورة إلى تأملٍ في مسار الحضارة الحديثة:
كيف بدأت بإيمانٍ بالمقدّس، ثم انتهت إلى عبادة الإنسان لنفسه؟ كيف تحوّلت الرموز التي كانت تُشير إلى الله، إلى شعارات تُستخدم لتبرير القوة؟

وهكذا، كان نقد المسيري للأسطورة التوراتية بحثًا عن الحقيقة لا عن العداء، وسعيًا لاستعادة البُعد الإنساني في مواجهة التاريخ حين يتحوّل إلى آلة، إنه يُذكّرنا بأن الأسطورة لا تموت، بل تتقمّص أشكالًا جديدة ، فما لم نُعد للرمز معناه الروحي سيظل يعيد إنتاج نفسه في صورٍ أشد قسوة.
وفي النهاية، لم يكن المسيري يهاجم النصوص المقدسة، بل ينقذها من الاستخدام الأيديولوجي الذي شوّهها،ويعيدها إلى مكانها الأصيل:
مصدرًا للمعنى، لا أداةً للهيمنة.

الخاتمة
Abdel Wahab El-Messiri’s Encyclopedia of Jews, Judaism, and Zionism

حين نطوي صفحات موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، لا نخرج منها كما دخلناها،فما بين الإطار النظري الذي صاغه المسيري بوعيٍ فلسفيٍّ متين، والقضايا الفكرية التي حلّلها بضميرٍ إنسانيٍّ يقظ، نكتشف أننا لم نكن نقرأ “عن اليهود” بقدر ما كنا نقرأ “عن .

في مفاهيمه الكبرى من النموذج التفسيري المركّب، إلى العلمانية الشاملة، إلى الجماعة الوظيفية والدولة الاستيطانية كان المسيري يعيد ترتيب وعينا بالعالم، ليقول لنا إن الظواهر لا تُفهم بالعقل وحده، بل بالمعنى الذي يسكنها، وفي تحليله التطبيقي لليهودية والصهيونية وإسرائيل، لم يكن يكتب عن الآخر، بل عن الإنسان الحديث حين فقد مركزه الأخلاقي، حين تحوّل الدين إلى أداة، والعلم إلى سلاح، والهوية إلى وظيفة.

لقد رأى المسيري أن جوهر الأزمة ليس في “الصهيونية” وحدها، بل في الفكر المادي الذي أنجبها، وفي الإنسان الذي اختزل الكون في معادلة، وأراد أن يخلق الخلاص بيده، ومن هنا، لم تكن موسوعته عملاً أكاديميًا جامدًا، بل صرخة فكرية رقيقة تبحث عن الروح وسط عالمٍ غارق في الحسابات.

في نظره، كل قضية سياسية هي في عمقها قضية إنسانية، وكل صراعٍ خارجي يبدأ من داخل النفس، وكل مشروعٍ مادي بلا بوصلة أخلاقية ينتهي إلى اغترابٍ شامل.
وهكذا، جمع المسيري في موسوعته بين التحليل الدقيق والبحث عن المعنى، بين النظرية التي تفكّك الظواهر، والرؤية التي تعيد الإنسان إلى مركز الكون، كانت موسوعته محاولة لإعادة تعريف “المعرفة” نفسها ؛لا ككمٍّ من المعلومات، بل كـ رحلةٍ في الوعي والضمير.

مصادر

كتاب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية
ويكيبيديا
بعض الدراسات عن المشروع الفكري للمسيري
رحاب يعقوب عباده
رحاب يعقوب عباده
تعليقات