أسرار نشأة جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا وتنظيمهم السري

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية في نشأة إخوان الصفا وخلان الوفا، وبنيتهم الفكرية، ورسائلهم، وأهدافهم الظاهرة والباطنة، إضافة إلى موقف الفقهاء منهم، فإن كنت لم تعرف شيئا عن جماعة إخوان الصفا فكن معنا!!
أسرارنشأة جماعة إخوان الصفا وخلان الوفا وتنظيمهم السري

لقد ظهرت هذه الجماعة في زمن تتزاحم فيه المذاهب وتتباين فيه طرق النظر، ويبرز اسم إخوان الصفا بوصفه مشروعًا جمع بين الفلسفة والدين والعلوم في محاولة لصياغة شكل جديد من أشكال الفكر لم تكن موجوده من قبل في الفكر العربي.

إخوان الصفا وخلان الوفا: جذور الجماعة وأهدافها وفلسفتها السرية

تُعدّ نشأة إخوان الصفا وخلّان الوفا Ikhwān al-Ṣafāʼ من أكثر المسائل غموضًا في تاريخ الفكر الإسلامي. فالجماعة لم تُعرَف بأسماء أعضائها، ولم تُسجَّل عنهم روايات مباشرة، وإنما عُرفت من خلال رسائلهم ومن خلال الإشارات المتناثرة في كتب المؤرخين والفقهاء.

يرجّح عدد من الباحثين أن الجماعة ظهرت في البصرة في القرن الرابع الهجري، في زمن اتّسم بحدة الصراع بين الاتجاهات الكلامية، وتقلّبات السياسة العباسية، وظهور التيارات الباطنية. وقد ساهم هذا المناخ الفكري والسياسي في تشكيل جماعة تعمل في الخفاء، وتعتمد على الكتابة والتداول السري للمعرفة.

أما من حيث الانتماء المذهبي، فقد تعددت الآراء:

– الرأي الأقوى في الدراسات الحديثة يرى أنهم على صلة بالفكر الإسماعيلي، نظرًا لبنائهم الهرمي، واعتمادهم مفهوم "المعرفة الباطنة"، وصلتهم الواضحة بفكرة الإمام الكامل، وتفسيرهم الرمزي للنصوص.

– في المقابل، يرى آخرون أنهم جماعة فلسفية مستقلة، استفادت من الفلسفة اليونانية والصابئية والأفلاطونية المحدثة، دون ارتباط تنظيمي بمذهب بعينه.

– بينما رفض عدد من الفقهاء والمؤرخين نسبهم للدين الصحيح، ورأوا أنهم يمثلون اتجاهًا يسعى إلى إدخال مفاهيم غير إسلامية في ثوب ديني، وهو ما دفع بعضهم إلى اتهامهم بالباطنية والخروج عن الملة بل واتهامهم بالإلحاد

من هم أعضاء جماعة إخوان الصفا؟

لم تُعرَف أسماء أعضائهم على نحو قاطع، إذ اختارت الجماعة إخفاء هويتها لأسباب فكرية وسياسية. ومع ذلك، تشير المصادر التراثية إلى أسماء محتملة ارتبطت بنشاطهم العلمي، فقد ذكرأبو حيان التوحيدي في كتابه " الإمتاع والمؤانسة "خمسة أسماء لأخوان الصفا وهم : " أبو سليمان محمد بن معشر البيستي والذي يعرف بالمقديسي، أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، أبو أحمد المهرجاني،  العوفي، زيد بن رفاعة "

لكن نسبة هؤلاء إلى الجماعة بقيت محلّ نقاش بين الدارسين، بسبب غياب نصوص مباشرة تثبت صلتهم التنظيمية بها. ويُرجَّح أن الجماعة لم تكن وحدة مغلقة، بل شبكة فكرية صغيرة من العلماء والفقهاء والمتفلسفة الذين تشاركوا رؤية إصلاحية واحدة.

العوامل الفكرية والسياسية التي مهّدت لظهور إخوان الصفا

لم تنشأ جماعة إخوان الصفا فجأة، ولا ظهرت بوصفها مبادرة فردية معزولة، بل كانت نتاج ظروف تاريخية معقّدة تداخل فيها العامل السياسي مع التوسع في الثقافة. فقد شهد القرن الرابع الهجري تراكمًا معرفيًا غير مسبوق نتيجة ازدهار حركة الترجمة التي نقلت إلى العربية الفلسفة اليونانية وعلوم الرياضيات والهندسة والطب والطبيعيات، إلى جانب تراث الأفلاطونيين المحدثين والفيثاغوريين.

إلى جانب ذلك، شهدت البصرة والكوفة وبغداد نشوء مكتبات ومدارس علمية أصبحت حاضنًا لطبقة واسعة من المتعلمين، ممن وجدوا في الفلسفة والعلوم الطبيعية أفقًا جديدًا للبحث. .

في الوقت نفسه، كانت الحياة الفكرية تعاني من انقسام حاد بين المتكلمين والفقهاء، وبين العقلانيين من المعتزلة والمدارس النصية التي نمت بعدهم، إضافةً إلى الهوة المتزايدة بين الفلاسفة والفقهاء. .

أما على المستوى السياسي، فقد كانت الخلافة العباسية تعيش حالة من الضعف، فيما توسّع نفوذ البويهيين ذوي الانتماء الشيعي، وتكاثرت الإمارات والدويلات المتنازعة، وتصاعد التوتر المذهبي بين السنّة والشيعة.

هذا الاضطراب السياسي والمعرفي أفرز هذا التنظيم االسري ليكون وسيلة للتأثير من خارج الصراع المباشر. وهنا تبرز علاقتهم بالحركات الشيعية الباطنية، خصوصًا التي تميل إلى الجمع بين الحكمة الفلسفية والتفسير الباطني للنصوص، وهو ما يفسّر تشابك بعض عناصر فكرهم مع الاتجاهات الإسماعيلية من حيث البنية والمراتب واعتقادهم بوجود معارف لا تُمنح إلا للنخبة المؤهلة.

من مجموع هذه الظروف—الانفجار العلمي، التشتت الفكري، الانقسام السياسي، وصعود الحركات السرّية—تشكلت اللحظة التاريخية التي سمحت بظهور إخوان الصفا.

أهداف إخوان الصفا وميولهم

من أهداف جماعة إخوان الصفا Ikhwan al-Safa إصلاح المجتمع، تهذيب الأخلاق، والدعوة إلى التوفيق بين الفلسفة والشريعة، وتأسيس المعرفة على العقل.

وأساس مذهبهم "أن الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة؛ لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وأنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة المحمدية فقد حصل الكمال".مقالة عن إخوان الصفا باليوم السابغ

يؤكد إخوان الصفا في مقدمة رسائلهم التزامهم بأصول الإسلام الكبرى: الإيمان بالله، وخلقه للعالم، والنبوة، والآخرة، وضرورة التمسك بالأخلاق العملية التي جاء بها الوحي.

كما يدعون إلى تهذيب النفس طبقا لقاعدة “الشريعة للسلوك، والحكمة للمعرفة”، فيجمعون بين العبادة والعمل بالأخلاق، وبين النظر الفلسفي والتأمل العقلي. وهذا الجانب هو ما جعل بعض الباحثين يعدّهم امتدادًا لحركات التوفيق بين الدين والفلسفة.

لكن خلف هذه الطبقة المعلنة، تظهر طبقة أخرى أكثر تعقيدًا. فقد توسع إخوان الصفا في استخدام الرموز العددية، والتأويل الباطني للنصوص، واللغة الفلسفية ذات الجذور اليونانية والأفلاطونية المحدثة.

وقد أدّى هذا إلى اتهامهم بأنهم: يحاولون إعادة تفسير النصوص الدينية وفق منظومة عقلية محضة؛ يوسّعون في التأويل حتى يذوب النص في المعنى الرمزي؛ يميلون إلى رؤية كونية تقوم على emanation / الفيض، وهي فكرة غير مألوفة في علم الكلام التقليدي ويفسرون الملائكة والنفوس والعرش واللوح تفسيرًا فلسفيًا لا يلتزم دائمًا بلغة الفقهاء والمفسرين.

 تفسير الدين بمنطق فلسفي، وربما تمهّد لتغيير المرجعية الدينية السائدة في زمنهم من خلال التغلب على الخلافة السنية للبلاد ، وتعتبر برنامج العمل السري الذي يستهدف القضاء على الإسلام ودولته لتأسيس دولتهم التي تضم شتى العقائد الوثنية والمجوسية والإباحية.

ومن أقوالهم: القول بوحدة الوجود وعصمة الإمام الإلهي الذات وأن النبوة مكتسبة والدعوة إلى وحدة الأديان والتحلل من الفرائض إلا في حق العامة، والقول إن العلم له ظاهر وباطن إلى غير ذلك مما يدل على إنحرافهم.المصدر موقع إسلام ويب

ويرى بعض المؤرخين أن هذا المسعى التوفيقي بين العقيدة الدينية والفلسفة لم يكن بريئًا بالكامل؛ إذ اتُّهمت الجماعة — خاصة من قبل فقهاء العصر — بمحاولة إدخال مفاهيم فلسفية على الخطاب الديني، بل وتقديم تفسير كوني قائم على العدد والهندسة والرموز الباطنية بما قد ينتج رؤية مغايرة لما كان معتمدًا في المدارس الفقهية. ولذلك ذهب بعض النقاد إلى اعتبار مشروعهم محاولةً لتقويض السلطة الدينية التقليدية عبر إحلال سلطة معرفية جديدة يتصدرها "أهل الحكمة".

هذا الغموض المقصود في هويتهم، مع انفتاحهم على فلسفات وديانات متعددة، جعلهم موضع ريبة عند علماء عصرهم، ودفع ببعضهم إلى اعتبار الجماعة محاولة فكرية للتأثير على البنية الدينية والسياسية القائمة.

نظام عمل الجماعة السري

لم يكن إخوان الصفا مجرد جماعة فكرية تتبادل الكتب والآراء، بل كانوا — كما يبدو من رسائلهم وما وصل عنهـم — بنية منظمة ذات طابع سري، لها مستويات عضوية، وشروط انضمام، وطقوس فكرية وأخلاقية تضبط علاقتهم ببعضهم وبالعالم. وتكشف الإشارات المتناثرة في الرسائل عن وجود نظام داخلي دقيق يعكس طبيعة فكره

قسّم إخوان الصفا أتباعهم إلى أربع طبقات، كل واحدة تمثل مستوى من الوعي والتزكية والعلم. وهذا التقسيم ليس تنظيمياً فحسب، بل يحمل معنى فلسفياً يربط المعرفة بالترقي الأخلاقي:
  1. مرتبة الإخوان الأبرار الرحماء وهم المبتدئون، شرطهم الصفاء من الحقد، والرغبة في طلب العلم، والتزام الأخلاق.
  2. مرتبة الإخوان الأخيار الفضلاء وهم الذين أتقنوا العلوم الأساسية كالرياضيات والمنطق، وتقدمت ملكاتهم في الفهم.
  3. مرتبة الإخوان الكرام الكاتبين أصحاب القدرة على التعليم والكتابة والمشاركة في التأليف.
  4. مرتبة الإخوان المقربين النخبة العليا، التي تتولّى قيادة الجماعة فكريًا وتنظيميًا، وهي الأقل عددًا والأكثر تأثيرًا.
هذا النظام الهرمي يشبه البنى التنظيمية للجماعات الفكرية السرية في القرون الوسطى، لكنه عند إخوان الصفا قائم على “الاستحقاق العلمي” لا “السلطة الاجتماعية”.

كانوا يرون أن من لا يضبط لسانه لا يصلح أن يحمل سر الجماعة، وأن العلم بلا أخلاق يتحول إلى أداة للضرر.كما كانوا يشترطون على العضو الجديد: الالتزام بآداب المودة والصداقة؛ الاعتدال في العبادات والأعمال؛ السعي الدائم لتهذيب النفس؛ حفظ أسرار الإخوان وعدم كشفها. وهذه القواعد كانت جزءًا من هويتهم: “إخوان الصفا وخلان الوفا”، أي جماعة تقوم على صفاء القلب ووفاء العهد.

و تشير رسائلهم إلى أنهم كانوا يجتمعون ليلاً أو في أماكن غير لافتة، يتدارسون فيها كتب الفلسفة والرياضيات والطبيعيات، ويعرض كل عضو ما فهمه أو كتبه. وكانت تلك الحلقات أشبه بمدرسة غير رسمية، تدمج بين: قراءة التراث اليوناني، تفسير النصوص الدينية، المناقشات الأخلاقية، وإعداد مواد لرسائلهم.

أحد أهم مظاهر تنظيمهم هو أن رسائلهم كتبت بلا توقيع. لم يذكروا أسماء، ولم يثبتوا مؤلفاً واحداً، وكأنهم أرادوا: حماية الأفراد من العقاب السياسي أو الديني، وتأكيد فكرة الجماعة فوق الفرد، وإعطاء الرسائل سلطة نابعة من الفكرة لا من الكاتب.

لأنهم كانوا يعملون في بيئة سياسية مضطربة (صراع العباسيين، النفوذ البويهي، الخصومات المذهبية)، فقد استخدموا لغة رمزية في كثير من كتاباتهم: الرموز العددية، الكنايات الفلسفية، الألفاظ المشتركة التي يختلف ظاهرها عن باطنها، الاستعارات الكونية كالهيولى والفيض والنفس الكلية

ولذلك بدت بعض نصوصهم غامضة، لا تُفهم إلا بأدوات الفلسفة، وربما كانت تلك الغموضية وسيلة مقصودة لحماية المعنى من التأويل الفقهي المباشر.

اختلف الباحثون في تفسير سرية الجماعة فهناك من يراها ضرورة واقعية لحماية أنفسهم من اتهامات الفقهاء في زمن اشتد فيه الصراع بين المذاهب والتيارات. وهناك من يراها استراتيجية فكرية تقوم على مبدأ “الحقائق العميقة لا تُعطى لكل الناس”، وهو مبدأ قريب من التقليد الفلسفي الأفلاطوني والباطني.

رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا

تُعد رسائل إخوان الصفا أول عمل فكري جماعي في القرن الرابع الهجري، وقد بُنيت بترتيب محكم يدل على تخطيط طويل ومراجعة دقيقة. تتكوّن الرسائل من 52 رسالة أطلقوا عليها "تحف إخوان الصفا"  وهي تجمع بين علوم الشرع والطبيعة والعقل، وتقدّم ما يشبه “موسوعة فكرية” بلغة عربية متينة، لكن بروح فلسفية ذات نزعة توفيقية واضحة.
  • قُسِّمت الرسائل إلى أربعة أصناف رئيسية، كل واحد منها يعكس مرحلة من مراحل رحلة العقل:
أولًا: الرياضيات — مدخل إلى تهذيب العقل وتضم رسائل في: العدد والهندسة، الموسيقى، الفلك، الجغرافيا، المنطق

كان الإخوان يرون أن الرياضيات تُهذِّب العقل وتعوده على الدقة والبرهان، وأن من لا يمر بها لن يفهم الفلسفة ولا الدين فهمًا صحيحًا. وتكشف هذه الرسائل تأثرهم البيّن بالتراث اليوناني، خصوصًا بطليموس وأفلاطون وأرسطو.

ثانيًا: الطبيعيات — فهم العالم لفهم النفس وتتناول: الكون والحركة والمعادن والنبات والحيوان والطب، أثر المناخ والبيئة، تركيب الإنسان

هذه الرسائل أقرب إلى “علم الطبيعة” عند الفلاسفة، تمتزج فيها الملاحظة العلمية بتأويلات فلسفية، وتعكس رؤية كونية تقوم على ترابط الموجودات، بما يشبه “وحدة النظام الطبيعي”.

ثالثًا: النفسيات والعقليات — منطق الوجود وغاية الإنسان وتشمل: النفس وماهيتها، العقل وطبقاته، الروح، الأخلاق، حدود المعرفة الإنسانية، السعادة ومراتبها

هنا تظهر لغتهم الأكثر عمقًا، حيث يمزجون بين أفكار الفلسفة الأفلاطونية المحدثة ومفاهيم إسلامية عن النفس والآخرة. يُصرّ الإخوان على أن العقل والشرع متكاملان، وأن الحكمة الحقيقية تظهر عندما “تصدق الفلسفة ما جاء به الوحي”.

رابعًا: الإلهيات — الغاية القصوى للمعرفة وتشمل: وجود الله وصفاته، الخلق والفيض، الملائكة، النبوة، المعاد، مراتب الوجود العليا

يبرز في هذه الرسائل التأويل الرمزي الكثيف، واستخدام مصطلحات مثل “العقل الفعال”، “النفس الكلية”، “الهيولى”، وهي مفاهيم جذبت انتباه الفقهاء والمتكلمين وأثارت كثيرًا من الاعتراضات.
  • منهج إخوان الصفا في كتابة الرسائل : يختلف الباحثون في توصيف منهج إخوان الصفا في كتابة الرسائل فهناك
رأي يرى أن منهجهم توفيقي: يجمع بين الدين والفلسفة دون إلغاء أحدهما.
ورأي آخر يراه تلفيقيًا: يجمع بين عناصر متناقضة دون حسم.
ورأي ثالث يراها محاولة باطنية لإعادة تفسير الدين وفق فلسفة الفيض.

وتكشف الرسائل عن اطلاع واسع على التراث اليوناني والهندي والفرس، وهذا الاتساع المعرفي كان سببًا في إعجاب البعض بهم وشكّ آخرين في نواياهم.
  • إسلوب الرسائل :الأسلوب في الرسائل غير متجانس، مما يؤكد أنها كتبت جماعيًا تجد فيها: لغة فلسفية شديدة التجريد، لغة دينية تقليدية ،لغة أدبية وإيقاعية في مواضع أخرى، استعارات طبيعية، ورمزيات عددية هذا التنوع كان مصدر ثراء، لكنه كان أيضًا مصدر قلق عند الفقهاء، الذين رأوه غموضًا مقصودًا.
  •  محاولة فكرية:تعد رسائل إخوان الصفا بمثابة خطوة نحو موسوعة فكرية حيث قدّم الإخوان عبر رسائلهم: نموذجًا مبكرًا لفكرة “الموسوعة” قبل أن تظهر في أوروبا بقرون، كما تعتبرمحاولة لتوحيد المعرفة ورؤية إنسانية واسعة تتجاوز الحدود المذهبية، وأخيرا بناء فلسفي يستهدف “تهذيب النفس” أكثر من إقامة الجدل الكلامي
وقد أثّرت الرسائل في مدارس الفلسفة الإسلامية اللاحقة، وكان لها حضور قوي في اليمن والمغرب وإيران، كما استخدمها بعض المتصوفة والأدباء في القرون التالية.
  • الإشكاليات: أين تقع الرسائل في خريطة الفكر الإسلامي؟
هذه النقطة كانت ولا تزال محورًا للجدل: فهي ليست كلامًا معتزليًا رغم تأثرها بالعقلانية.وليست فلاسفة مشّائين رغم قربها من أرسطو. وليست صوفية رغم نزعتها الروحية. وليست شيعية بالمعنى العقدي رغم تأثرها ببعض أفكار الدعوة.

إنما هي صيغة خاصة ، تقف عند مفترق طرق بين التراث والعقل، وبين الدين والفلسفة، وبين الأخلاق والنظر العقلي.

موقف الفقهاء والمتكلمين من إخوان الصفا:

لم يمرّ مشروع إخوان الصفا في التاريخ الإسلامي دون جدل، فقد ظلّت رسائلهم مثار نقاش بين الفقهاء والمتكلمين والمحدّثين، الذين اختلفت مواقفهم بحسب مناهجهم العقدية وخلفياتهم العلمية. ومما يزيد هذا الجدل أن الجماعة لم تُعرّف نفسها علنًا، ولم تُسمِّ أعضاءها، ولم تربط مشروعها بسلطة سياسية أو علمية معروفة؛ وهو ما فتح باب التأويل والظنون.
  • تحفظات علماء السنّة: رأى عدد من فقهاء السنّة أن الرسائل تميل إلى التأويل الفلسفي البعيد، وأن بعض مفاهيمها—مثل الفيض، والعقل الفعال، والهيولى—لا تنتمي إلى علوم الشريعة بل إلى الأفلاطونية المحدثة. لذلك نُسب إليهم:
الإكثار من المجاز في تفسير النصوص. إضفاء طابع رمزي على موضوعات الغيب. جعل العقل معيارًا أعلى من الظاهر الشرعي في بعض الأحيان.

وبسبب ذلك عبّر بعض العلماء عن خشية من أن يؤدي انتشار هذه الرسائل إلى إدخال مفاهيم فلسفية داخل العقيدة الإسلامية من خلال ثوب ديني ولغة وعظية.
  • اعتراضات المتكلمين: كان علماء الكلام—وخاصة المتأخرين منهم—أكثر حدّة في نقد الرسائل. فقد رأوا أن إخوان الصفا:
لا يعتمدون البرهان الكلامي المعروف عند المعتزلة والأشاعرة، ويميلون إلى التلفيق بين الأفكار دون تمييز بين مراتب الحجّة، ويستخدمون الموروث العقلي اليوناني دون توضيح حدوده أو ضبطه.

وقد اعتبر بعض المتكلمين أن الرسائل أقرب إلى “التعليم الفلسفي” منها إلى “العقيدة”، وأن من يدرسها يحتاج إلى قدرة على الفصل بين الرمزي والشرعي حتى لا تتداخل المعاني.
  •  العقيدة الباطنية: بسبب سرية الجماعة وامتناعها عن التصريح بمذهبها، جرى ربطها ببعض الحركات الباطنية في عصرها، خصوصًا الدعوات السرية التي ظهرت في القرن الرابع الهجري، وشهدت صراعًا بين العباسيين والبويهيين، تنافسًا بين الفرق، وصعودًا لحركات ذات طابع سرّي.
 مسألة “الهدف الباطني”: هل أرادوا الإصلاح أم تجاوزالدين؟ أحد أكثر الملفات حساسية في تقييمهم هو السؤال الآتي: هل كان لهم هدف باطني غير معلن؟ تنقسم الآراء هنا إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: يرى هذا الاتجاه أن إخوان الصفا لم يسعوا لتغيير جوهر الدين، بل أرادوا: إنقاذ العقل المسلم من الجمود، التوفيق بين الحكمة والشريعة، وبناء أخلاق تعيد للعلم دوره في تهذيب الإنسان. ويستدل أصحاب هذا الرأي بنصوص كثيرة في الرسائل تمجّد القرآن والنبوة وأصول الدين.

الاتجاه الثاني: رسائلهم محاولة لإعادة بناء العقيدة على أساس فلسفي وهو اتجاه نقدي يرى أن الجماعة: أعادت تفسير مفاهيم الملائكة والروح والنبوة تفسيرًا فلسفيًا، دمجت بين الفيض الأفلاطوني ومفاهيم إسلامية، قدّمت تصورًا للعالم ينطلق من العقل الكوني أكثر من انطلاقه من النص.

ولذلك عدّهم بعض الفقهاء “فلاسفةً يكسون الفلسفة ثوب الشريعة”، ورأى بعض المتكلمين أنهم أقرب إلى النزعات الباطنية التي تسعى إلى كشف الحقيقة من وراء ظاهر النص ومع ذلك، تبقى عقيدتهم مزيجًا مركبًا: إسلامية في جذورها، فلسفية في أدواتها، وتأويلية في منهجها، لا يمكن وضعها بالكامل داخل أي تيار كلامي معروف.
ويذهب هذا الاتجاه إلى أن هناك هدفًا باطنيًا للجماعة يتجاوز “الإصلاح”، يهدف إلى تشكيل رؤية دينية جديدة ذات طابع رمزي فلسفي، وهو رأي استند إلى كثافة السرد الرمزي والعدد في الرسائل.
  • غياب الأسماء: كان اختفاء أسماء المؤلفين عاملاً هامًا في زيادة التحفّظ الفقهي، فالعلماء في ذلك العصر كانوا يرون أن: العلم يُؤخذ عن معروفين، والسرية علامة ضعف الحجة، وعدم الإعلان عن المذهب يثير الشبهة.
ومع ذلك، يشير كثير من الباحثين إلى أن التخفي كان على الأرجح لأسباب سياسية مرتبطة باضطراب الدولة العباسية واشتداد الصراع داخلها.

 رغم الموقف الفقهي من الرسائل مع التحفظات الكثيرة، لم تُمنع الرسائل من التداول، بل استمرت تُنسخ وتُقرأ في: اليمن، المغرب الإسلامي ،بلاد فارس وبعض مدارس الفلسفة في بغداد والأندلس

يمكن تلخيص موقف العلماء بأنهم لم يطمئنوا إلى مشروعهم التأويلي, ورفضوا بعض أفكارهم الفلسفية،وتحفّظوا من أسلوبهم الرمزي والباطني.

ومع ذلك، ظلت الرسائل جزءًا من التراث العقلي الإسلامي، تُقرأ للنقد كما تُقرأ للاستفادة، وتظل شاهدًا على مرحلة فريدة من تاريخ التفاعل بين الدين والفلسفة.

خاتمة
خصصنا تلك المقالة للكتابة عن نشأة إخوان الصفا وخلان الوفا واهدافهم وتعرضنا خلال المقالة لرسائلهم وعوامل ظهور الجماعة في العصر العباسي وكذلك راي الفقهاء فيهم، ولو أعجبتك المقالة يمكنك ترك تعليق تكتب لنا رأيك حول الأهداف الباطنية  لجماعة إخوان الصفا وهل تتفق مع هذا الرأي أم لا؟

مصادر للمزيد من القراءة
موقع ويكيبيديا
موقع اليوم السابع
موقع إسلام ويب
رحاب يعقوب عباده
رحاب يعقوب عباده
تعليقات