قصة تميم ووتين وجه من وجوه الحب | الجزء الأول بقلم ناديا الرشيدي

دومًا ما سُلطت الأضواء على تلك القصص العاطفية التي توجت بالانتصار، وبعائلة سعيدة، وأطفال يلهون، لكن ماذا عن رُوميو وجولييت؟ ماذا عن قيس وليلى؟ وماذا عن تلك القصص التي دُفنت، وأنستنا كيف يكون للقدر صوتٌ، رُغم الحب الجم الذي يسكنُ القلبين..
هُنا.. سنغوص مع الوجه الآخر لروميو وجولييت، لكن لا بُد أن تُبحر معنا، لتدري: هل سيلتقيان في مُفترق الطُرق؟ أم سيكتب القدر لكل منهم طريقًا خاصا به.

قصة تميم ووتين وجه من وجوه الحب

الأحداث الأولى من قصة تميم و وتين وجه من وجوه الحب

_ ليه نهيتها بالشكل ده رغم إنها مش النهاية..؟

رسالة غريبة، من رقم أغرب، لكن صاحبها مكنش بالغريب، كنت عارفاه.. حافظاه، بل كان أقرب حد لقلبي.
عرفت إنه هو، من غير ما يصرح، ومن غير أي دليل، لكن كان كفاية قلبي دليلي..
قفلت الشات بملامح باهتة، ورجعت لآخر حدوتة ليَّا.
حدوتة بتحكي قصتنا، عشنا إيه، وأي حب جمعنا.

ابتسمت وأنا بقرأ كومنتات الناس الزعلانين.
زعلانين من مجرد نهاية حزينة لحدوتة خيالية، بس أنا..؟
أنا اللي عشت القصة بحذافيرها، ونهيتها بنفس الشكل المأساوي اللي قتلني.

_ ليه حطيتي النهاية..؟

مسدج تانية فوقتني، رجعتني للحاضر، الحاضر اللي مش عارفة أعيش يوم فيه من غيره.
بعد كتير من التردد، كتير من الخوف، والدموع، كتبت بهدوء:
_ لأنها النهاية فعلًا.
ثواني ولقيته بعت:
_ لأ! لكل قصة حدث درامي في النص، وبعدين النهاية، لابد من نهاية سعيدة يا وتين.

بصيت للمسدج بسخرية، نهاية سعيدة..؟
كنت متخيلة مشاعره وهو بيكتب، متعصب، بيمشي إيده على شعره قبل ما ينهي جملته باسمي.
اسمي اللي اتهزيت أول ما شوفته.
صوته رن في وداني، وعيوني لمعت بذكريات قديمة فاتت.
بعد فترة صمت طويلة مني، لقيته بعت من جديد:
_ مكنش ينفع تحطي نقطة.
اتعصبت، قلبي تعب!
كفاية أمل! كفاية محاولة في مكان مش لينا، النهاية معروفة، ليه بننكر من جديد..؟
ليه عايشين على آمال قتّالة...؟

_ غلطان! ده لابد إننا نحط نقطة.
بعتها وكملت بقسوة وأنا رجلي بتتهز بعصبية:
_ أنا وأنت حدوتة وانتهت قصتها بشكل قاسي، انسى يا تميم!
نهيت رسالتي باسمه وأنا بلعن قلبي.
ليه وأنا بكتبه حن؟ ليه أتمنى يندهله ولو لمرة أخيرة!

_ يعني بتكتبي نهايتنا خلاص...؟
بصيت للمسدج بخوف!
الأمل اللي كنت عايشة عليه مش هيبقى موجود..
طب بعدين...؟
بعد أول دقيقة من الفُراق الفعلي، والأمل اللي اتقتل،
الإنسان إزاي بيتنفس..؟
إزاي بتكون أول دقة لقلبه للحياة.. مش لحبيبه..؟
مقدرتش أكتب أه، مهانش عليّ، يمكن حطيت النقطة في خيالي، لكنه والله يعز عليّ.

_ لو عشنا بأمل، هل فيه احتمال نكون سوا..؟
رديت سؤال بسؤال، توتر، خوف، وأمل جديد.
_ الأمل مش كفاية، يا نحاول يا نقتل الأمل والحب من دلوقتي.
رجعت للواقع، فوقني كلامه من جديد.
محاولة..؟
محاولة تاني! أنا تعبت من كتر المحاولات!
تعبت من الفشل!
تعبت من عدم الوصول، دايمًا بحلم، بتخيل، برسم حلم جميل في خيالي، لكن عمري ما لمسته!
علشان كده، في آخر محاولة لينا قررت أستسلم..
إحنا أبعد ما نكون عن إننا نبقى سوا..!

فيلم هندي وقعنا فيه، دايمًا كنت بحلم بقصة حب خيالية، مثيرة، فيها أكشن ودراما، ملهاش شبيه.
لكن وقعت في أكبر قصة حب تقليدية!
قصة حب كلنا عارفينها، عارفين أحداثها، وشوفناها في أي دراما..!
قصة حب اتخطت الأهل.
الأهل أعداء، والأبناء بيعيشوا قصة حب خفية.
أو يمكن الموضوع مش معقد لهذه الدرجة،
يمكن أكثر تعقيد، باباه وبابا إخوات.
ومن هنا بدأت اللعنة، ومن نفس النقطة انتهت.
رجع اليأس يحتل كل جزء فيّ، العداوة اللي جمعت بين أهلينا مفيش حاجة ممكن تصلحها.. حتى إحنا،
الحوار أكبر مننا، أكبر بكتير!!

_ واثق من كلامك..؟ واثق في المحاولات؟
مردش.. وكنت عارفة! ما إحنا ياما حاولنا، لكن أوقات كمان المحاولة مش كفاية.
أه بناخد شرفها، طب وبعدين..؟
فين الوصول...؟

كل قصة حب شبه قصتنا انتهت بسعادة، توجت بنهاية عائلية حنينة، وأطفال بيلعبوا، بس ليه إحنا مش كده..؟
هل اتحققت أمنيتي في إني أعيش قصة مختلفة في النقطة دي بس...؟
هل النهاية دي كانت الاختلاف اللي دايمًا بحلم بيه..؟

_ وتين بتعملي إيه..؟
بصيت لليلى أختي بتوتر وأنا بخرج من الشات بشكل خفي.
قالت بسرعة وهي بتخرج:
_ طالما مش بتعملي حاجة مهمة، قومي ساعديني!
قمت بسرعة، وأنا بترك كل شيء في المنتصف من جديد،
مش عارفة، هل نعيش نحاول..؟
ولا نعيش بيأس قتال...؟

_ في إيه يا بابا..؟
قلتها مجرد ما خرجت للصالة وشُفت بابا قاعد بعصبية ومكشر.
_ عمك بيتحداني تاني!
أنا اللي خليته راجل وعلمته! أول ما يستقوى، يستقوى عليّ أنا..!
قلبي دق بخوف، بقلق من جديد، قعدت قدامه بهدوء، وأنا بقرر آخد خطوة جديدة في محاولاتنا.
_ ليه؟ إيه اللي حصل..؟
_ بيوقعني في السوق! وبياخد العملاء بتوعي.
_ ليه قلت إنه قاصد..؟
ضحك بسخرية: _ هي دي حاجة جديدة عليه..؟
_ ما يمكن فعلًا يا بابا، ميعرفش إن دول ليك تعامل معاهم.
 دي مش أول مرة يعملها.
_ طيب كلمه، افهم منه.
هز راسه بحدة:
_ أكلمه...؟
أنتِ عارفة إحنا بقالنا قد إيه مقاطعين بعض...؟
ولو! أنا هروح أفهم منه ليه..؟
هو كان فهم مني زمان..؟
حطيت إيدي على كتفه وقلت بحنية:
_ حاول، علشان خاطري، اقفلوا الماضي.
قام وهو بيقول:
_ الماضي مبيتقفلش يا وتين.

نهاية كل نقاش، ونهاية كل محاولة كالعادة... فشل!
بصيت للشباك بيأس، بعيد عن الحب اللي جمع بين قلوبنا أنا وتميم، الأمر قاسي، بل أقسى ما يكون.
تخيل تكونوا عيلة، إيد واحدة، كلكم سوا، الحب مالي عيونكم، وفجأة..!
سوء تفاهم يبوظ كل حاجة!
عشر سنين ماكنوش كفاية يصلحوا كل ده..؟
جفا ملأ قلوبنا، وكره بنى بينا حيطان.
ليه هما مش مدركين العذاب اللي إحنا فيه..؟
أطفال كانوا دايمًا سوا، ماليين حياتهم بالأحلام والوعود،
وفجأة... يتمنعوا إنهم حتى يشوفوا بعض!
كبروا، وكل واحد بعيد عن التاني، نسوا أحلامهم،
والحب اللي جمعهم، حتى الوشوش بقت غريبة على بعض.
لكن القدر كان له رأي مختلف،
دايمًا له حكايات وقصص بيحب يكتب حروفها بطريقته.

_ وتين.
بصيت للمسدج بشرود، وحشني اسمي منه، لكن أوقات، أوقات كتير، الفُراق بيكون الحل الأمثل.
وصلني مسدج تانية منه:
_ أنا هصارح بابا.
قلبي دق بالخوف والقلق!
محدش غيرنا يعرف بالحب اللي جمعنا،
أو إننا عارفين بعض حتى..
كتبت بسرعة:
_ بلاش!
_ لحد أمتى؟ لإمتى هنفضل خايفين؟

سكت، ملقتش إجابة... عارفة إن ده الحل الوحيد.
إحنا ياما حاولنا نخليهم يرجعوا يحبوا بعض،
يبطلوا سوء ظن في بعض، لكن فشلنا.
وكل ده بسبب سوء ظن قديم، اسودت قلوب، وتفرقت قلوب تانية..
لكن مينفعش الاعتراف..
الاعتراف جميل، لكنه بيخلق ضباب أكبر.
طال سكوتي فكتب:
_ وتين، مش هسمح تكون النهاية الفُراق.
ابتسمت رغم اضطراب قلبي وسألت:
_ ولو حصل؟
_ يبقى قدر وكتب قصته.

قلبي نزف دم من جديد.. وعيوني هربت منها دمعة شريدة،
وقلبي بيدعي متكونش دي النهاية،
بيدعي يلمس في يوم حلمه.

قفلت النور وأنا بستعد للنوم، لكن بدل ما أغمض عيوني، لقيتني برفعها للسقف بشرود، وأنا برجع لأول صدفة بينا، لأول سطر كتبه القدر في قصتنا.

_ Flashback _

_ هتنزلوا تدريب للمستشفى بعد يومين.

كنت متحمسة وأنا بسمع الدكتور وهو بيقول كده، أخيرًا جه الوقت اللي ننزل نتدرب فيه،
أخيرًا هقدر أكون وسط المرضى وساعدهم!
الحماس خطفني، رجلي بتتهز بتوتر ممزوج بحماس، وأنا لابسة لبس الممرضة، وباخد أول خطواتي داخل المستشفى.. رفعت عيوني ليها بحلم وشعور بالانتصار.
دخلت بخطوات ثابتة، وعيون مليانة شغف وحب.
في البداية اتعرفنا على طاقم معين من الممرضين، وبدأنا نعرف سوا هنعمل إيه.
كنت بشتغل بطاقة وحماس، أروح هنا، وأجري هنا، وأقيس ضغط ده، وأساعد ده، من غير تعب، بحب مالي كل جزء فيّ.

كنت بشتغل وأنا بفتكر ذكرى من الطفولة، بفتكر تميم بيقولي بحماس:
_ عايز أكون دكتور.
_ وأنا أكون ممرضة وأساعدك.
يا ترى وصل؟ زي ما أنا وصلت؟
والحقيقة إن دي كانت معضلة مُرّة بالنسبة ليّ.
أنا بقيت ممرضة، بس الحياة منعتنا من بعض، لا بقيت مساعدته، ولا أعرف عنه حاجة حتى.
فيا ترى حلمه ثابت ولا اتغير، زي ما الحياة غيرتنا على بعض..؟
هل كرهني؟ زي ما أهلنا بيحاولوا؟ أو حتى نسيني؟
نسي أحلامنا وذكرياتنا..؟

فوقت من ذكرياتي على صوت ريم صحبتي وهي بتقول:
_ وتين، خدي ده للمكتب اللي هناك.
قالتها وهي بتشاور على مكتب في الآخر، وبتقدم إيديها ببوكس، تقريبًا فيه أدوات طبية.

خدته وروحت نحيته، خبطت الأول لعل حد جوا، لكن محدش رد، ففتحت بهدوء ودخلت، لكن وقفت مكاني بتوتر، وأنا شايفة راجل لابس في إيده جوانتي، نايم على كرسي بتعب، عينه منهكة، وراسه منحية.
وقفت بخطوات مترددة، أخرج ولا أصحيه...؟
يبدو إنه دكتور، وده مكتبه الخاص.
حسمت قراري، واتحركت بأطراف صوابعي ناحية مكتب معين، وحطيت عليه الصندوق براحة، ولفيت علشان أخرج، لكن لقيت صوت متوجس ورايا بيقول:

_ إنتِ مين؟
وقفت بتجمد كأني اتمسكت بجرم منشود، لكن الحقيقة إني لساني بيقف في المواقف دي والله.
_ أنا...
لفيت وأنا بتكلم بتهتهة، لكن مجرد ما عيني جات في عينه اللي بتبصلي باستغراب، وقفت عن الكلام، معرفش ليه،
لكن عينه... غريبة!
فجأة بعد عينه وبدأ يكح جامد، قربت منه بسرعة:
_ حضرتك كويس؟؟
رفع عيونه ليّا وقال:
_ ممكن بس تجيبيلي مية؟
هزيت راسي بصمت، ولفيت علشان أمشي، لكن لمحت المنديل اللي بين إيديه ومليان بقع دم!
بصيت له بتوجس وسألت تاني:
_ متأكد إنك كويس..؟
هز راسه بصمت وهو بيبص لبعيد، وبيرمي المنديل في الباسكت اللي جنبيه.

محبتش أكون متطفلة أكتر من كده، ونزلت للكافتيريا، جبتله مية وقهوة علشان شكله المرهق.
_ اتفضل.
_ شكرًا حقيقي.
_ العفو.
قلتها بهدوء وأنا بلف علشان أخرج، لكن وقفني صوته وهو بيسأل:
_ كنتِ عايزة حاجة من هنا؟
_ لأ، كنت بس بحط البوكس ده.
قولتها وأنا بشاور عليه بتوتر، لكنه هز راسه بتفهم وسكت.

خرجت من المكتب وأنا مستغربة تحمله ومقاومته للتعب اللي باين بوضوح عليه، وليه أصلًا حد يرغم نفسه على ده!
ما ممكن ياخد إذن ويمشي!

_ دكتور تميم جوا..؟
كنت على بعد خطوات بسيطة من مكتبه، ولقيت واحد بيوقفني بيسأل كده باهتمام.
مجرد ما وصل الاسم ليا قلبي دق!
تميم... يمكن مجرد تشابه أسماء، لكنه رجع قلبي لماضي اتقفلت دفاتره من زمن.
هزيت راسي بأه ردًا عليه، ومشيت ناحية الكافتيريا بخطوات ضعيفة،
وأنا بجزم بكل أسف إنهم وحشوني!
وحشتني ندى، أسماء، وحتى تميم.. وحشني!
وبكل أسف بعترف... حتى عمو وحشني!
وحشتني الأيام اللي كنا فيها سوا،
الليالي اللي تقاسمنا فيها الحب والوجع والفرحة.
هنا واتردد في دماغي بيتين زادوا ألمي بيت:

"تلك الليالي التي كانت تجمعنا
هي الليالي التي باتت تنائينا
فكم ضحكنا وكم دامت مودتنا
واليوم نبكي على الذكرى وتبكينا."

معقول الدنيا بالقسوة دي؟
معقول خطأ صغير يفرّق الأحبة بالشكل ده..؟
من يوم خلاف بابا وعمو... وأنا نسيت يعني إيه عيلة.
يعني إيه نتجمع سوا، نفرح سوا،
ونحكي لبعض أحلامنا اللي سرقها منا الزمن.

_ مالك يا تيتو، أنتِ كويسة؟
رفعت راسي لِريم بعد ما مسحت بسرعة دمعتي اللي خانتني،
وقلت بهدوء لكن بصوت فيه غصة بكتمها طول حياتي:
_ آه يا عيوني، في حاجة؟
شدتني من إيدي بحماس وهي بتقومني، لكن وأنا بقوم لمحت نفس الدكتور تاني... د. تميم!
كان واقف مع الشخص اللي سألني عنه، وفجأة عينه جات في عيني مرة تانية، بص لي بابتسامة وهو بيرفع إيده لفوق بالقهوة اللي ماسكها، كأنه بيشكرني عليها.
بادلته الابتسامة بتوتر وهدوء، ولمعة باين فيها دموع اشتياق لماضي اتسرق مني.

عدى وقت طويل من يوم ما بقيت أنزل تدريب، ومع كل يوم كنت بكتسب خبرة جديدة، حب جديد، وتعب أكبر.
ويمكن الحياة مشقة، لكن لو في سبيل الحاجة اللي بتحبها، طريق الشقاء بينبت ورد، وإن كان في يوم بيشوك، لكنه هيفضل مُزهر.
وده حقيقي اللي كان بيخليني أكمل وأقوم وأسعى كل يوم: الحُب.
مش دايمًا الحب بيكون مُشترط على حب شخص، بل أوقات بيتجسد في مهنة، مشاعر، لحظة، وحتى ذِكرى.
وأنا كان ماليني الحب لحاجتين: مهنة وذِكرى.
بس أوقات فعلًا.. الطريق بيشوك، ومهما كان مُزهر، هتلحقك منه شوكة.

_ أنتِ متخلفة! مبتفهميش؟
بصيت للدكتورة برفع حاجب وقلت بسخرية:
_ متخلفة...؟ دكتورة بس الإناء ينضح بما فيه.
بصت لي ثواني من فوق لتحت، بنظرات كلها اشمئزاز، قبل ما تقول بتهديد:
_ أقسم بالله ما هخليكِ تكملي هنا دقيقة! ولا أي مستشفى تقبل بيكِ.
قلت بتحدي وأنا برفع إيدي: _ وريني، الساحة كلها لكِ.
مشت بقوة وهي بتهز راسها بعصبية، في حين أنا بصيت لها بقرف، ورجعت بصيت لكل اللي واقفين يتفرجوا بفضول.
ثواني وبدأوا يمشوا واحد ورا التاني

في حين أنا مشيت ناحية الكافيتيريا وقعدت بهدوء، لكن قطعتني ريم وهي بتعقد بدهشة وبتقول:
_ أنتِ عبيطة! إيه اللي عملتيه ده؟
بصيت لها بحدة لسه ملزماني من الموقف:
_ ريم، اتكلمي كويس.
اعتذرت بهدوء وهي بتاخد نفسها قبل ما تقول:
_ أنتِ عارفة إن اللي عملتيه ده هيضيع مستقبلك كله؟
_ أنتِ كنتِ عايزاني أعمل إيه؟ وهي بتهزق فيا علشان بس جبتلها حُقنة بدل حُقنة!
_ أيوه بس الموضوع مكنش مستاهل.
ردّيت بعصبية: _ لأ، كرامتي تستاهل، وإن كان حد غيري عدى أسلوبها، أنا مش هعديه.
_ طيب خلاص، إهدي.
بصيت لها بطرف عيني وقلت:
_ ريم، سبيني شوية لوحدي.
_ يا وتين...
قاطعتها بهدوء:
_ معلش، أنا عايزة أقعد مع نفسي شوية.

هزت راسها بتفهم وقامت، في حين أنا بصيت قدامي بشرود.
ليه دايمًا اللي في إيده المُلك بيستقوى على الأقل منه؟
ليه دايمًا الدنيا طبقات؟
لو أنت من الطبقة دي يبقى تتعامل كده، ولو أنت مش كده ليك معاملة خاصة!
ليه مش ملتفتين لنقطة إن كلنا بشر؟
إن كلنا لينا نفس الحقوق والملكية؟
يمكن طول عمري ما بصيت للموضوع بالنظرة دي، لكن مجرد ما بدأت أشتغل هنا، عرفت الجانب التاني من الدنيا.
أو الطبقة اللي غيرنا بتتعامل إزاي.
طول حياتي كنت بتعامل بطريقة معينة لأني بنت مدير الأعمال اللي ليه صيته إلى حد ما،
لكن هنا لأ.. محدش يعرف غير إني وتين وبس.
وعلشان كده المعاملة اختلفت،
وعلشان كده عِشت حياة طبقة تانية، وتجربة تانية، مكنتش أعرف إنها موجودة أصلًا.

_ إيه اللي حصل؟
خرجت من شرودي على صوته وهو بيعقد قدامي.
دكتور تميم!
مشوفتوش من فترة طويلة، ولا جمعني بيه لقاء من أول مقابلة.
يمكن كنا بنشوف بعض صُدفة، فنلقي السلام وانتهى.

بصيت له بهدوء وأنا باخد نفسي، في محاولة حثيثة إني أتحكم في أعصابي، قبل ما أقول:
_ هتفرق يا دكتور؟
بص لي باستغراب وقال:
_ وليه متفرقش؟
هزيت كتفي ببساطة وقلت:
_ الأقوى بياكل الضعيف.
ابتسم بهدوء وقال:
_ وأنتِ الضعيفة بقى؟ ده أنتِ كنتِ هتكلينا كلنا.
ابتسمت وقلت:
_ لأن مش دايمًا الضعيف ضعيف شخصية، بل ضعيف في المجتمع، أو بمعنى آخر بسيط، من أقل حاجة هيتاكل، لأنه بس طالب بمعاملته كإنسان.
مكنتش بتكلم عن نفسي، لأني عارفة إني الأقوى للأسف، وإني ممكن بورقة أوقف حياة الدكتورة دي... بس هنا الفكرة والقضية، إني ممكن أنهي حياة كاملة بوساطة وورق!

الصمت بينا طال، وأنا باصة قدامي بشرود، وهو...
رفعت راسي له باهتمام، لكن لقيته بيبص لي بتركيز.
رفعت له حاجبي بحدة قبل ما هو يتدارك الأمر ويقول بسرعة:
_ يمكن كلامك صح وسائد، بس مش هنا.
سألت باستفهام: _ ليه؟
_ علشان كلنا بنسعى، بنساعد بعض، هنا الأهم الضعيف مش القوي.
_ صدقني، في كل مهنة الأهم الضعيف مش القوي، لكن في المجتمع لأ، الأهم اللي معاه فلوس وهيدفع.
كان لسه هيبرر، فقاطعته بتساؤل:
_ حضرتك عايز تقولي إن لو جه هنا شخص بيموت بس مش معاه فلوس، هتدخلوه؟
سكت ومردش، فبصيت له بابتسامة مُرة وأنا بوضح له صحة كلامي.
_ أوعدك لو نجحت في يوم، هيكون أهم حد عندي الضعيف، مهما كانت طبقته.
ابتسمت بهدوء وقلت:
_ وأوعدك إن وقتها هكون أول مُمرضة عندك.
ابتسم براحة، وقام بهدوء، جاب قهوة ورجع وهو بيحطها قدامي وبيقول:
_ واحدة في واحدة أهو.
خدتها بابتسامة وأنا بشكره بامتنان.
كان لسه هيرد، لكن بدأ يكح بقوة، خرجت مناديل بسرعة وعطيته، وأنا تاني مرة ألاحظ الدم اللي بيملى المنديل!
بصيت له بقلق:
_ هو حضرتك كويس؟
هز راسه بصمت وهو بيلف علشان يمشي، لكن فجأة جسمه بدأ يبان عليه الضعف ويميل بيه.
حطيت له كرسي بسرعة وأنا بقوله يقعد.
_ أنا هروح أشوف دكتور وأجي.
نده لي بسرعة وقال:
_ استني!
لفيت له بخوف، وأنا قلبي مُضطرب، أنا مش بعرف أشوف حد تعبا..ن وأراقبه بصمت!
خصوصًا إن الحوار مش مجرد كحة بسيطة!
_ أنا كويس.
شاورت على الدم:
_ وده إيه؟
_ صدقيني، أنا تمام.
بصيت له بنظرة حادة مُعتادة مني، لكن المرة دي كانت لدكتور! غريب بيرفض العلاج..!
_ أحلف.
رفع حاجبه وقال:
_ أحلف على إيه؟
_ إنك كويس وإنك مش مريض ولا حاجة.
ضحك وأنا بصيت للأرض، باعتبار الحلفان سلاح، أصدق الشخص مجرد ما يحلف،
وأنا فاكرة إن فعلًا محدش بيتهاون في القسم، ولا بيكذب بيه، رغم إني اكتشفت بعدين إن الأمر بقى عكس كده تمامًا،
لكني مش قادرة أتخلى عن طبيعة الأمر، مهما اتبدل.

كان لسه هيتكلم، لكن فجأة قاطعنا أصوات قوية، وثواني ولقيت نفس الدكتورة جاية بورق وجنبها دكاترة وناس تانية.
_ امسكي يا حلوة.
قالتها بنظرة انتصار وهي بتمد إيديها بورق،
قبل ما تكمل:
_ يبقى وريني إن في حد قبل بيكي.
كان في ناس بتبص لي بشفقة، وناس جنبها بتحاول يهدوها وهما بيقنعوها إني مجرد متدربة ولسه معرفش حاجة،
اللي هو عيلة وغلطت، اتنازلي المرادي.

قام تميم بهدوء:
_ هو في إيه؟
بدأت تتكلم بسرعة وغضب وهي متنرفزة من برودي، حكت قد إيه إني همجية، وإن أسلوبي زبالة، وإني رديت عليها..!
إزاي أنا... أرد على جلالة الدكتورة، وأنا مجرد متدربة بسيطة، وإن صح التعبير ولا حاجة جنب سيادتها.

كنت ببتسم مع كل كلمة بتقولها، خصوصًا كلمة همجية اللي من غير قصد وصفت بيها نفسها.
فضلت ثابتة وأنا رافعة راسي ليها بابتسامة، متكلمتش ومقاطعتهاش، ولا حاولت أبرر.
فجأة قال دكتور بشفقة وهو بيقاطعها:
_ معلش، هي لسه صغيرة ومتعرفش حاجة، متدمريش مستقبلها.
رديت بحدة:
_ لأ، أنا عارفة أنا عملت إيه، وعارفة كمان إني مغلطتش.

الدكاترة حطوا إيديهم على وشهم بنفاد صبر، في اللي مشي، وفي اللي شاف إني أستحق اللي هتعمله.
قال تميم بهدوء وهو بيكلم الناس اللي واقفة:
_ ممكن تتفضلوا إنتوا؟
مشوا، في حين قعدنا إحنا التلاتة في قعدة تشبه قعدة الصلح، اللي لا أنا ولا هي قابلين بيها.
سأل تميم بهدوء:
_ دكتورة سلمى، إيه اللي حصل لكل ده؟
بدأت تحكي ردودي وأفعالي من غير ما تتطرق لأفعالها وسبب رد فعلي.
انتهدت بعدم صبر، فحين قاطعها تميم وهو بيقول:
_ أيوه، إيه سبب كل ده؟
قالت بتوتر:
_ مش مركزة، وعطتني حُقنة غلط، يعني كنت ممكن أأذي مريض لو ما راجعتش وراها.
قال بهدوء:
_ وهل ده سبب كافي لكل اللي بيحصل؟
كانت لسه هتتكلم لكنه قاطعها:
_ أنتِ كام مرة فشلتي؟ وكام مرة نسيتي؟ كلنا كنا كده في البداية.
د. سلمى، مش معنى إنك وصلتي بعد رحلة فشل طويلة تبقي مستنية المبتدئ يكون في نفس مستواكي.
لأ، هو ليه الأحقية يعيش الرحلة بكل عثراتها وفشلها برضو.
بدأت حدتها تقل ونبرتها تكون أهدى وهي بتقول:
_ بس هي غلطت! أسلوبها معايا مكنش كويس!
_ أنا سمعت إنك اللي قولتيلها أنتِ متخلفة الأول.. حصل؟
هزت راسها بإحراج وسكتت، في حين هو كمل:
_ الموضوع مش مستحق كل ده، ويمكن حضرتك مضغوطة، بس مينفعش الضغط ده يخرج على حد.
هزت راسها في صمت، في حين أنا اتنفست بصعوبة وأنا بخرج الطاقة السلبية اللي جوايا، وقلت بابتسامة:
_ حصل خير.
بادلتني ابتسامة بسيطة ومشت، كنت عايزة أقفل الحوار على كده، كفاية كُبره اللي من غير داعي،
وخصوصًا إني مكنتش عايزة أدخل اسم بابا فيه.

لفيت لتميم وقلت بهدوء:
_ شكرًا حقيقي.
ابتسم وهو بيبص في عيوني وقال:
_ شخصيتك قوية، بس بطلي البرود ده علشان مُستفز.
ضحكت، في حين قربت منا ريم وقالت بقلق وهي بتبص لي:
_ وتين، إيه اللي حصل؟
كنت لسه هرد، لكن سمعت همس تميم باسمي، بصيت له باستغراب، فلقيته بيبص لي بدهشة وشرود.
_ وتين؟
هزيت راسي بعدم فهم، فحين هو ابتسم ابتسامة متكلفة وقال:
_ لأ، افتكرت حد بس.
بصيت له بشك، وأنا قلبي بيقول: مستحيِل!
مستحيل يكون نفس الماضي اللي جمعنا...
لف علشان يمشي بشرود، بعد ما زاغت عينه من لمحة الماضي.
مقدرتش أمسك نفسي، وقفته بسرعة وأنا بسأل بشك بتمنى يبقى يقين:
_ تميم محمد؟
لف لي بسرعة وذهول وسأل وعيُونه متعلقة بيا:
_ وتين مصطفى؟

رحاب يعقوب عباده
رحاب يعقوب عباده
تعليقات