نبذة عن كتاب فى صالون العقاد كانت لنا أيام
صدرت الطبعة الأولى من «في صالون العقاد كانت لنا أيام» سنة 1983 عن دار الشروق، وتوثق الفهارس الببليوغرافية الكتاب بوصفه عملًا عربيًا لأنيس منصور، كما تشير بعض الدراسات التي استندت إلى الكتاب إلى الطبعة الأولى بالقاهرة في العام نفسه.
ولم يتوقف الكتاب عند طبعته الأولى، بل ظهرت له طبعات لاحقة عن دار الشروق وغيرها. وتظهر الفهارس، على سبيل المثال، طبعة ثالثة عن دار الشروق سنة 1993، وطبعة عن نهضة مصر سنة 2012، مع اختلاف واضح في عدد الصفحات بين الطبعات.
يتضمن كتاب في صالون العقاد كانت لنا أيام بين دفتيه على قرابة الأربعين مقالة أو فصل ،فى المقالات الأولى قد تقع فى فخ أعده أنيس منصور للقارىء حيث يوهمك وكأنه كتب هذا الكتاب ليبين أو ليسلط الضوء على جوانب سلبية فى شخصية العقاد أو أنه سيشن عليه هجوما عنيفا ، فقد وصفه بالمغرور والمتغطرس وأنه صاحب شخصية صلبة وعنيدة ومعتدا بنفسه إلى أقصى درجة ثم تستكشف العكس تماماً.يقول أنيس منصور:
"وإذا جاء يوم وكتبت عن العقاد أكتب عن نفسي أمام العقاد أو مع العقاد....أو العقاد كما أتصوره أى العقاد من تأليفى ....أى أننى سوف أجعله عملا فنيا ...وكما يختلف الفنانون فى تصوير الشىء الواحد ،فسوف أكون كذلك".
- بذلك الإقتباس البسيط من كتاب فى صالون العقاد كانت لنا أيام لأنيس منصور نكون قد أعطينا فكرة عامة عن الكتاب أو انه لخص مضمون الكتاب فستخرج منه تعرف العقاد عن قرب وكذلك أنيس منصور، حيث يستعرض فيه أنيس مقتطفات من حياة عملاق الفكر عباس محمود العقاد ويسلط الضوء أيضا على جوانب من حياته الشخصية وكأن أنيس منصور يأبى إلا أن يجعل نفسه ندا للعقاد.
- لا يريد أنيس منصور أن نعرفه من خلال ما يقصه عن العقاد بل يرسم فى لوحة واحدة فِكر العقاد وفلسفته وإلى جواره حياة انيس منصور ورحلته فى البحث عن الذات ، فخرجت لوحة بديعة الصنع يعجز القلم أن يعبر عنها ، أفرغ فيها منصور جل ذكرياته التى ظلت حبيسة النفس أعواما وأعوام حتى تسنى لها الظهور .
- فأنيس منصور لم يكن يسجل ذكريات مكان زاره من باب الفضول، وإنما كان يستعيد مرحلة كان لها أثر في تكوينه الفكري والأدبي. ولهذا فإن الحديث عن العقاد يتحول في كثير من المواضع إلى حديث غير مباشر عن رحلة أنيس منصور نفسه في التعلم والتشكل واكتشاف عالم الفكر والأدب.
- ومن هنا أرى أن قراءة الكتاب من زاوية واحدة فقط، أي باعتباره كتابًا عن العقاد، تفوّت علينا جزءًا مهمًا من قيمته، إنه أيضًا كتاب عن تجربة التلميذ مع الأستاذ، وعن الطريقة التي يمكن أن يترك بها صاحب الفكر أثرًا في شاب لا يزال في بداية طريقه.واللافت أن صالون العقاد لم يكن مجرد مكان يجلس فيه الكاتب الكبير بضيوفه، بل أصبح في ذاكرة أنيس منصور مساحة للتعلم والحوار والاحتكاك بالأفكار.
- وتصف بعض القراءات الكتاب بأنه يتجاوز ذكريات الصالون إلى تسجيل ملامح جيل ومرحلة ثقافية كاملة، وهو ما يفسر اتساع موضوعاته وتشعب الشخصيات والقضايا التي تظهر فيه.
قصة صالون العقاد في كتاب في صالون العقاد
لفهم كتاب في صالون العقاد كانت لنا أيام، أعتقد أن علينا أن نتوقف قليلًا عند المكان الذي يدور حوله الكتاب نفسه: صالون عباس محمود العقاد.
- فكلمة «صالون» هنا لا تعني مجرد غرفة يجلس فيها مجموعة من الأشخاص للحديث، وإنما تشير إلى تقليد ثقافي عرفته الحياة الأدبية المصرية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم أصبح وسيلة يلتقي من خلالها الأدباء والمفكرون وأصحاب الاهتمام بالثقافة، فيتبادلون الآراء ويناقشون الأدب والفكر وقضايا المجتمع.
- وكانت مصر قد عرفت قبل صالون العقاد نماذج شهيرة من هذه المجالس، من بينها صالون الأميرة نازلي فاضل ثم صالون مي زيادة، الذي جمع عددًا كبيرًا من رموز الحياة الفكرية والأدبية في مصر. وفي هذا السياق جاء صالون العقاد بوصفه واحدًا من أشهر الصالونات الثقافية في مصر الحديثة.
- فالعقاد كان أديبًا ومفكرًا وناقدًا واسع الاهتمامات، وله حضور معروف في المعارك الأدبية والفكرية في عصره. ولذلك فإن الجلوس في مجلسه لم يكن مجرد لقاء اجتماعي مع كاتب مشهور، وإنما كان بالنسبة إلى كثير من الشباب والمهتمين بالأدب فرصة للاحتكاك بعقل له مشروعه ومواقفه وطريقته الخاصة في النظر إلى الأشياء.
- ومن أجمل ما يكشف عن هذا المعنى العبارة التي نقلها أنيس منصور عن تجربته مع العقاد، حين وصف انتقاله من المنصورة إلى القاهرة بأنه جعله يلتحق بجامعتين: جامعة القاهرة وجامعة العقاد. وقد نقلت الصحافة المصرية هذه العبارة في الحديث عن الصالون وعلاقة منصور بالعقاد.
حوارات الفكر في كتاب في صالون العقاد كانت لنا أيام
من روعة الكتاب يجعلك أنيس منصور وكأنك فرد من أفراد الصالون تستمع وتناقش وتحلل وقد تشعر أحيانا أنك تُتمتم ببعض الكلمات لأنك تريد أن تضيف رأيا أو تبدى ملحوظة وتحزن لحظة الإنصراف لكى يستريح العقاد حتى يكمل روتينه اليومى من المشى والقراءة والكتابة وتنتظر بفارغ الصبر الجمعة القادمة حتى تعاود الجلسة مرة أخر ى.
ثم تفيق على أنك قارىء وأن كل ذلك يحدث فى كتاب بين يديك ، فلا وجود للملل فى هذا الكتاب فقد كتبه منصور بلغة بسيطة سلسة شيقة العبارة والإسلوب متنوع فى أفكاره وكأنك تطير على بساط يتنقل بك بين حوارات فى الشيوعية والماركسية والإيمان والإلحاد والمادية والبوذية والفن والسياسة والأدب والفكر وغيرها الكثير .
أبرز الشخصيات التي ارتبطت بصالون العقاد
- محمد طاهر الجبلاوي.
- عبدالرحمن صدقي.
- طاهر الطناحي.
- أحمد حمدي إمام.
- أحمد إبراهيم الشريف.
- عبد الحي دياب.
أما أسماء مثل طه حسين وتوفيق الحكيم وإبراهيم المازني، فمن المهم ألا نضعها تلقائيًا في قائمة رواد الصالون لمجرد ارتباطها بالحياة الثقافية للعقاد؛ فبعض المصادر تذكرهم في سياق علاقات العقاد ومعاركه الأدبية أو في سياق الحياة الثقافية الأوسع، وهذا لا يساوي بالضرورة إثبات حضورهم المنتظم في صالونه.
ومن هنا يمكن فهم صالون العقاد بصورة أفضل: لم يكن مجرد قائمة من المشاهير اجتمعوا في بيت أديب كبير، وإنما كان مجلسًا ثقافيًا حيًا، تتقاطع فيه الأسئلة والآراء والتجارب، وكان أنيس منصور واحدًا من الذين احتفظوا بذاكرة خاصة عنه ونقلوا جانبًا من هذه التجربة إلى القراء.
ولهذا فإن عنوان كتابه «في صالون العقاد كانت لنا أيام» ليس مجرد عنوان لذكريات قديمة؛ إنه وصف لتجربة تكوين كاملة، عاش فيها الكاتب مرحلة من حياته بين القراءة والحوار والاحتكاك بعقل العقاد، ثم عاد بعد سنوات ليحكي لنا شيئًا مما بقي منها في ذاكرته.
علاقة أنيس منصور والعقاد وتطورها
وأنت تقرأ في"كتاب في صالون العقاد لأنيس منصور" تلاحظ ملامح التطور الزمنى فى علاقة أنيس منصور بالعقاد والتى نشير اليها في النقاط التالية:
- بدأت علاقة العقاد بأنيس منصور بشيء من الفتور واستخفاف العقاد بأنيس منصور حتى وصل الأمر إلى التراشق بالألفاظ.
- ثم تدريجيا يتعلق التلميذ بمعلمه ويذوب فى أفكاره وشخصيته ولا يستطيع الفكاك منه او الإمتناع عن حضور صالونه وأصبح العقاد لمنصور هو الأب القريب والمعلم والصديق.
- ويزداد حبه للعقاد يوما بعد يوم ويبادله العقاد ذلك القرب والحب فكان أنيس منصور أكثر مَن يستطيع التحدث عن العقاد بعد موته وأفضل تلامذته وفاءا له وهذا ما لم يتوقعه القارىء عند الوهلة أو المقالات الأولى من الكتاب .
- من خلال مواصلة القراءة في "كتاب في صالون العقاد كانت لنا أيام" والتعرض للكثير من القضايا الفكرية ستتعرف أيضا على جوانب عديدة عن حياة العقاد المفكر العظيم صاحب العقلية الجبارة والمتصلب لآرائه الباحث عن المثالية فى كل شىء.
- فعاش حياته وحيدا مخلصا لعقله وفكره ،متجاهلا قلبه ومشاعره رافضا لمبدأ الزواج ،فكان للمرأة عنده نصيب من الصورة السيئة والسلبية وهو ما طفح به فى كتاباته وأفكاره .، رغم قصة حبه مع الأديبة مى زيادة .
- وستتألم كثيرا لحالة الحرمان والفقر الشديد الذى عاشه أنيس منصور ومعاناته فى الطفولة والشباب ومدى الألم الذى عايشه فلم يمنعه كل ذلك من التفوق والتميز وكأن العظيم لا يكون عظيما إلا بعد أن ينصهر فى تنور الألم والفقر والمعاناة ، ولكل عظيم آلامه الخاصة به.
أسلوب أنيس فى السرد بالكتاب
اسلوب أنيس منصور في كتاب فى صالون العقاد كانت لنا أيام لم يعمتد فيه أنيس منصور مدى زمنى فى ترتيب سير الأحداث فكان لكل موضوع أو حوار زمنه الخاص به إلا أن القارىء يلحظ مبدأ تطور الأحداث فى نواح عدة من الكتاب فمثلا:- الحوارات والمناقشات فى صالون العقاد أخذت فى البداية شكلا من الشخصنة أو التفرد من طرف واحد حيث استحوذ العقاد على كل ما يدور فيها فالبيت بيته والصالون صالونه والكلام كلامه والفكر فكره وهو السائل والمسئول.
- فهو الذى يطرح الفكرة ويسأل ويجاوب ولا يستطيع أحد أن ينبت ببنت شفة ،وكأن العقاد يتخذها وسيلة فقط للترفيه عن نفسه أو للخروج بعض الوقت من عزلته التى فرضتها عليه القراءة والكتابه أو لكى يتشبه بالأدباء الآخرين أى يكون لديه صالون أدبى هو الآخر.
- ثم على مدار الكتاب يتطور الأمر وتتغير شكل الجلسة لتأخذ شكل الحوارات الفكرية والمناقشات المتبادلة بين أفراد الصالون الأدبى حيث يتسع صدر العقاد للإستماع للآخرين .
حال الشباب فى عهد أنيس منصور وشباب اليوم
- ويعرض لمدى حرصهم على القراءة والإطلاع وحضورهم لجلسات الفكر والحوارات مع مختلف الأطياف الفكرية محاولة منهم لإيجاد حلول لمشاكلهم الفكرية والأدبية.
- وايضا من أجل التخلص من ذلك التخبط الفكرى الشديد الذى تعرضوا له جراء التنوع الغزير فى أفكار عصرهم فكل واحد منهم يشعر كأنه فى بحر هائج تقذفه أمواجه يمنة ويسرة وترفعه وتخفضه دون أن يعرف له شاطىء يرسو إليه.
- فكان صالون العقاد بالنسبة لهم هو طوق النجاة والشاطىء وربان سفينة الحياة التى كادت تغرق بهم جميعا.
- فإذا كان شباب هذا العصر هذا هو حالهم وهذه هى أفكارهم وتلك هى مشاربهم واهتماماتهم فاين شبابنا وأجيال عصرنا من هؤلاء ! تتأملهم فلا تجد لهم هدف أو رأي ولا حتى فكر ....ومشاربهم هى كل ما يمحق الفكر ويصدأ العقل ويذل النفس ....وهو ما يبعث على الحزن.
